في خضم الصراعات التي تعصف بالعالم، تبرز مهنة الصحافة كشعلة تنير دروب الحقيقة، وتكشف زوايا الظلام التي تحاول القوى الظالمة إخفاءها. الصحفيون والصحفيات، برغم المخاطر الجسيمة التي يواجهونها، يظلون أوفياء لرسالتهم النبيلة في نقل الواقع بصدق وشجاعة.
لكن في شمال وشرق سوريا، تحولت هذه الرسالة إلى هدف مباشر للقمع والاستهداف، حيث يواجه الصحفيون انتهاكات صارخة من قبل الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له، مما يهدد ليس فقط حياتهم، بل أيضاً حق العالم في معرفة الحقيقة.
وشهدت السنوات الماضية تصاعداً خطيراً في استهداف الصحفيين والطواقم الإعلامية في شمال وشرق سوريا من قبل الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له. لم يقتصر هذا الاستهداف على الهجمات العسكرية المباشرة عبر الطائرات الحربية والمسيرات، بل امتد ليشمل مصادرة ممتلكات الصحفيين ومنازلهم في المناطق المحتلة، مما يعكس انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تحمي حرية الرأي والتعبير.
ففي مناطق مثل عفرين وسري كانيه/ رأس العين وكري سبي/ تل أبيض، تم توثيق أكثر من خمسين حالة استيلاء على ممتلكات تعود لصحفيين وصحفيات يعملون في مؤسسات إعلامية محلية وإقليمية ودولية.
هذه الانتهاكات لم تكن عشوائية، بل كانت جزءاً من استراتيجية ممنهجة لترهيب الإعلاميين وإسكات أصواتهم التي تكشف جرائم الاحتلال وفصائله الإرهابية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني، ألفين واثنين وعشرين، تعرض مراسل وكالة هاوار السورية للأنباء، عصام عبد الله، لهجوم مباشر من قبل الطائرات الحربية التركية أثناء تغطيته لآثار القصف على منطقة ديرك/المالكية. هذا الحادث، الذي أثار غضباً شعبياً واسعاً، لم يكن سوى حلقة في سلسلة من الاعتداءات التي تستهدف الصحفيين في المنطقة.
ومع دخول عام أربعة وعشرين، تصاعدت وتيرة الاستهدافات بشكل كبير، حيث شهد إقليم شمال وشرق سوريا أكبر موجة من الهجمات ضد الصحفيين أثناء قيامهم بواجبهم الإعلامي. ففي إحدى الحادثات، استهدف الطيران المسير التركي تجمعاً لصحفيين وصحفيات كانوا يغطون آثار القصف على محطة كهرباء كوباني، مما أدى إلى إصابات بليغة في صفوفهم. كما تعرض صحفيون آخرون في مدينة عامودا لهجوم مماثل أثناء تغطيتهم لآثار القصف التركي.
لم تقتصر الانتهاكات على الهجمات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى التهديدات العلنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قامت الغرف الإعلامية التابعة للاحتلال التركي بتهديد الصحفيين بالقتل بسبب نقلهم وتوثيقهم للانتهاكات التي ترتكبها الفصائل الإرهابية والاحتلال التركي ضد المدنيين والبنى التحتية في المنطقة.
هذه التهديدات لم تكن مجرد كلمات، بل ترجمت إلى أفعال أدت إلى فقدان العشرات من المدنيين، بما في ذلك الصحفيين، حياتهم أو إصابتهم بجروح خطيرة.
تعتبر هذه الأعمال الاجرامية انتهاكاً صارخاً للمادة تسعة عشر من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حرية الرأي والتعبير للجميع.
إن استهداف الصحفيين ليس مجرد اعتداء على أفراد، بل هو اعتداء على حق المجتمع الدولي في الوصول إلى المعلومات والحقيقة.
في ظل هذه الانتهاكات الجسيمة، يتحتم على المجتمع الدولي والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان تحمل مسؤولياتهم واتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، وتوفير الحماية الكافية لهم، وضمان عدم استخدام ذرائع مثل الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب لتقييد حرية الرأي والتعبير.
إن الصمت تجاه هذه الانتهاكات ليس خياراً، فالحقيقة تحتاج إلى من يدافع عنها، والصحفيون هم حراس هذه الحقيقة، وحمايتهم هي حماية للحقيقة نفسها.
