في الثامن من آذار من كل عام، يطلُّ اليوم العالمي للمرأة، ليذكّر العالم بتاريخٍ طويل من النضال والتضحيات، إنه يوم يكرّس إنجازاتِ النساء ويجدد المطالب بالحرية والمساواة، ويضع قضايا العنف والتمييز في صدارة الاهتمام العالمي.
هذا اليوم ليس مجردَ احتفالٍ رمزي، بل محطةً للتأمل في مسيرةٍ ممتدة عبر قرون، حيث واجهت النساء التحديات وحققن مكاسبَ غيّرت وجه المجتمعات.
عامَ ألفٍ وثمانمئةٍ وستةٍ وخمسين، خرجت عاملاتٌ في نيويورك في إضراب، احتجاجاً على ساعات العمل التي تجاوزت ستَّ عشرة ساعةً يومياً وظروفه القاسية، لكن المأساة وقعت حين اندلع حريقٌ في المصنع، أدى إلى وفاة مئةٍ وثمانيةٍ وأربعين عاملاً، بينهم مئةٌ وتسعٌ وعشرون امرأة.
الحادثةُ لم تحظَ بتغطيةٍ واسعة في الصحافة الأمريكية، لكنها شكّلت رمزًا مبكّرًا لنضال المرأة العاملة، ورسّخت فكرةَ أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق دون مساهمتها، فكانت البدايات الرسمية.
في مؤتمر كوبنهاغن الدولي للنساء عام ألفٍ وتسعمئةٍ وعشرة، اجتمعت مئة امرأةٍ من سبع عشرة دولة، وطرحت مطالبَ نسويةٍ مهمة، أبرزها اعتماد يومٍ عالمي للمرأة، بالإجماع تم اختيار الثامن من آذار ليكون يوماً رمزياً للنضال النسوي.
القرار تكرّس رسمياً في مؤتمر موسكو عام ألفٍ وتسعمئةٍ وواحدٍ وعشرين، قبل أن تعترف به الأمم المتحدة عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وسبعين، ليصبح مناسبةً عالمية معتمدةً تحت مظلةٍ دولية.
كانت الموجة الأولى من الحركة النسوية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ركزت على حق المرأة في التعليم والانتخاب والمساواة القانونية، وكانت بمثابة الأساس القانوني والسياسي، لمشاركة النساء في الحياة العامة.
أما الموجةُ الثانية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فقد توسّعت المطالبَ لتشمل حرية الجسد والهوية وحق المرأة في تقرير مصيرها الشخصي والاجتماعي، لتصبح قضيةُ المرأةِ أكثرَ ارتباطاً بالحقوق الفردية.
وفي التسعينيات جاءت الموجة الثالثة لتبرز قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وتركز على التنوعِ والاعتراف بالاختلافات بين النساء أنفسهن، مؤكدةً أن المساواة لا تعني التطابق بل العدالة في الفرص والحقوق.
ورغم هذه الإنجازات، ما زالت النساء تواجه تحدياتٍ كبيرة في مناطقَ مختلفةٍ من العالم، ففي أفغانستان تُقيّد حقوقُ الفتيات في التعليم والعمل، وفي إيران تتواصل الاحتجاجات ضد فرض القيود على النساء، لتصبح رمزاً لمقاومةِ الاستبداد، وفي أمريكا اللاتينية تقود حركة Ni Una Menos مواجهة جرائم قتل النساء وعدم المساواة في الأجور والتمييز القائم على النوع الاجتماعي.
أما في إقليم كردستان فقد لعبت النساء دوراً محورياً منذ الثمانينيات، حيث أسّسن تنظيماتٍ خاصةً بهن، وخضن نضالاً مزدوجاً من أجل المساواة والحقوق القومية، وما زلن اليوم في طليعة الدفاع عن مكانتهن في المجتمع.
لقد أثبتت المرأة عبر مشاركتها في الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، أنها عنصرٌ أساسي في بناء التوازن المجتمعي. فمبدأ الرئاسة المشتركة المعتمد في إقليم شمال وشرق سوريا، والذي يجمع بين الرجل والمرأة في موقع القيادة، مثّل صيغةً متكاملةً للحكم.
فقيادة الرجل تضيف جانب التحليل العقلي المبني على الأرقام والمعطيات، بينما قيادة المرأة تضيف بُعداً عاطفياً وإنسانياً يراعي أثر القرارات على المجتمع والقيم. هذا التكامل بين العقل والعاطفة، يجعل الحكمَ أكثرَ رصانة وعدلاً، ويعكس أن القيادة المشتركة ليست تقاسماً للسلطة فحسب، بل نموذجاً أفضل وأكثرَ إنصافاً لبناء مجتمعٍ متكامل.
وفي يومها العالمي، لا يحتفي العالم فقط بإنجازات المرأة في الماضي، بل يحتفي أيضاً بقدرتها المستمرة على صناعة المستقبل، وبإصرارها على أن تكون شريكةً حقيقيةً في بناء مجتمعٍ أكثرَ عدلاً وإنصافاً.
