كانت مطلباً أساسياً في الاحتجاجات الشعبية التي عُرفت بالربيع العربي، لكنها لم تكن المرّة الأولى التي ينادى فيها بالعدالة الاجتماعية، إذ لطالما تجلت هذه الأخيرة دعوةً للإنصاف والتضامن الإنساني في مساعي المصلحين والثوريين وفي تعاليم الأديان.
المفارقة، أنه وبتطور المجتمعات وتطور ظاهرة الحاكم والمحكوم، كانت التعاليم الدينية أقرب بالتركيز على المعنى الديني والروحي المستند إلى النصوص الشرعية منها لتنظيم العلاقة وتحديد التدابير بين الحاكم والمحكوم.
في وقتنا الراهن، يدور هذا المفهوم حول تكافؤ الفرص والقضاء على التمييز، وهنا فإن دولاً مثل البلدان الإسكندنافية ونيوزيلندا وأستراليا وأيسلندا تتبوأ اليوم المراكز المتقدمة في العدالة الاجتماعية، من توفير الحياة اللائقة والسِلم الأهلي والحريات العامة، والشفافية ومكافحة الفساد والبنية الأفضل لحياة الإنسان وسعادته.
“لن يجرؤ الإقطاعيون على إظهار أنفسهم بعد الآن؟ هناك حقوقٌ مقدسة للبشرية، ومن بينها العدالة الاجتماعية”

في هذه المقولة التي كانت جزءاً من تصريحٍ للملك الفرنسي لويس السادس عشر، ألقاه في ديسمبر من عام 1784، ظهر مصطلح العدالة الاجتماعية لأول مرة.

في نهاية القرن الثامن عشر ومع انطلاق الثورة الصناعية في أوروبا انتقل المجتمع من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي، فأصبحت معاناة العمال متفاقمة، وانتشر حينها استخدام مصطلح العدالة الاجتماعية كمطلبٍ في سائر الدول الأوروبية، لا في فرنسا وحسب.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية فانتقل المصطلح إليها في أوائل القرن العشرين، عندما أصدرت الحكومة الأمريكية قوانينَ مثل تحديد ساعات العمل بثماني ساعات، وإقرار حق التنظيم النقابي العمالي.
وفي العالم انتشر المصطلح بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أقرت منظمة العمل الدولية في ديباجة دستورها عام 1919، أنه “لا يمكن تحقيق السلام إلا إذا كان قائماً على العدالة الاجتماعية”.


ـ العدالة الاجتماعية وسياقات السياسة والاقتصاد:
العدالة الاجتماعية مفهومٌ إنساني أخلاقي، رافق البشرية منذ تكون المجتمعات المتحضرة، أي أنه ليس مفهوماً رافق ظاهرة الدولة المعاصرة، وتبلور النظم السياسية الاجتماعية والاقتصادية المرافقة لها، لكنها من دون شك وقعت تحت أحكام دساتير وقوانين الدولة الحديثة.
والعدالة الاجتماعية انطلاقاً من كونها مفهوماً مرناً يخوض في سياقاتٍ حياتيةٍ عدة، فقد احتكم مسارُ توجيهها وتعريفها بالتطورات الاقتصادية في ظل الأنظمة السياسية المختلفة.
كل مدرسةٍ فكريةٍ في الفلسفة السياسية تتفرد بمفهومها الخاص للعدالة الاجتماعية في النظام العام، يمكن تبيان ذلك بتتبع مسار أهم المحطات التاريخية التي أثرّت في النظام العام، بدءاً من الثورة الصناعية مروراً بالثورة الفرنسية إلى ظهور الفلسفة الليبرالية، ومن ثم ظهور النظام الرأسمالي وتجارب الاشتراكية في النضال ضده.
ثارت الطبقة البرجوازية على النظام الإقطاعي مدفوعةً بالليبرالية التي تُنسب إلى الفيلسوف الإنجليزي وأحد مُنظّري العقد الاجتماعي، جون لوك، والتي تُقرُّ بالحقوق الطبيعية للأفراد وحق الملكية وحق الحياة والتنقل.
في البداية كانت خطوةً ثورية، لكن بعد قرنين من الزمن تبيّنت خطورة هذا المذهب في الاقتصاد لأن الأقوياء والأكثر قدرة، أصبحوا قوةً رأسمالية مسيطرة، وهم أقليةٌ، على الأغلبية الساحقة من الشعب العامل الذي ذاق صنوفاً من القهر والبؤس..
بفعل استمرار الاستغلال انقسمت البرجوازية إلى قِوىً مُتصارعة على أساسٍ طبقي، الطبقة الرأسمالية الثرية تريد تحقيق مصالحها الخاصة وتكديس الأرباح، وهو موقفٌ مناقضٌ لوحدة المصير القومي، عندما ظهرت القومية في أوروبا مع ربيع الأمم في عام 1848، فيما كان غالبيةُ الشعب من العمال والفلاحين والتجار الصغار والموظفين مُنساقين وراءَ خديعة تحقيق التقدم، من خلال الرابطة القومية، فطفى الصراع داخل المجتمع نفسه.
ومع قيام الدولة انفصلت البرجوازية إلى مجموعاتٍ كُبرى ووسطى وصغرى، وظهرت معالم الرأسمالية، خاصةً مع انطلاق الثورة الصناعية وتبنّت مذهب الاقتصاد الحر، محوّلةً الطبقة الكُبرى للبرجوازية إلى قوةٍ مُستغِلّةٍ لشعوبها وإلى قوةٍ مُستعمِرةٍ لشعوبٍ أخرى لم تصلها الثورة الصناعية.
اختلال موازين العدالة الاجتماعية التي تحقق للفرد العيشَ الكريم في ظل سيطرة النظام الرأسمالي، دفع أحد أهم مُنظّري الاشتراكية، الفيلسوف الألماني كارل ماركس إلى وضع الأُسُس النظرية لنظامٍ جديد.
يقول ماركس أن زيادة عدد العمال باستمرار وحرمانهم من ملكية وسائل وأدوات الإنتاج وانخفاض الأجور، يحوّلهم إلى طبقةٍ من العمال المنظمين، هي قوة البروليتاريا التي تقود نضالها ضد أصحاب العمل والطبقة الحاكمة، سواءً عبر اللجان العمالية والنقابات والاتحادات أو الأحزاب السياسية.

ويتحقق نصر هذه الطبقة عند تشكيلها نظاماً سياسياً يتجلّى مع حزبٍ سياسيٍّ بروليتاري، يقوده فئةٌ من الثوريّين الواعين والمدركين لمهام التغيير الثوري، فيستولي على الحكم ويبدأ بإلغاء الملكية الفردية وصولاً إلى مرحلة الشيوعية.
مع ذلك انتهت الأحزاب الشيوعية التي حكمت روسيا ودولَ أوروبا الشرقية، والأحزاب المنظمة في صفوف المعارضة إلى رفض الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية، وآمنت أن الوصول إلى الاشتراكية يتم عن طريق القوة. وحين غابت الديمقراطية السياسية والتعددية، سيطرت الدكتاتورية والجمود والقمع، وتحولت الدولة الشيوعية إلى جهاز قمعٍ سَحَق المجتمع المدني.
ـ اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية:
في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، تداولت أدبيات منظمة الأمم المتحدة مصطلحَ العدالة الاجتماعية، إذ اعتمدت العدالةُ الاجتماعية في العهد الدولي، للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادرِ عن الأمم المتحدة في السادس عشر من شهر ديسمبر عام 1966، والذي ودخل حيز التنفيذ عام 1976.
في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، أعلنت الجمعية العامة أنه اعتباراً من الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة، تَقرَّر إعلان الاحتفال سنوياً بيوم 20 شباط/فبراير بوصفه اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية.
بعد الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في سبتمبر أيلول من عام 2008 وجّهت الأمم المتحدة منذ 2010 إلى 2016 تركيزَ برامجها في قضايا التنمية نحو تناول القضايا الاجتماعية، من منطلق أن مكافحة غياب العدالة الاجتماعية والمساواة هو أمرٌ في غاية الأهمية لتحقيق النمو الاقتصادي.

وفي هذا الإطار أكدت المؤسسات الدولية الرسمية على أهمية دور الدولة في تعزيز برامج العدالة الاجتماعية، بتأكيدها على أهمية اتباع المبادئ الاقتصادية النيوليبرالية، باعتبارها الطريقة المثلى لإدارة الاقتصاد الوطني، وهنا ظهر تفاوت رؤى بين هذه المؤسسات الدولية من ناحية، والحركات الاحتجاجية العالمية ومؤسسات المجتمع المدني العالمية من ناحيةٍ أخرى.

وتجد هذه الأخيرةُ أن العواقب الاقتصادية لهذه السياسات متماثلةٌ تقريباً في جميع الأمكنة، من خلال تعاظمٍ كبيرٍ في اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية، وازديادٍ ملحوظٍ في البؤس الشديد لأمم وشعوب العالم الأكثر فقراً، وبيئةٍ عالميةٍ مهددة، واقتصادٍ عالمي غير مستقر، وثراءٍ غيرِ مسبوق للأثرياء، رافضةً تطبيق هذه السياسات التي اعتبرتها السببَ الرئيس وراء اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء على المستويَين المحلي والدولي، وتجد أن الحلَ الأمثلَ يبدأ بالبعد عن السياسات الاقتصادية التي فرضتها المؤسسات الدولية.
