الثقافة، مفهوم متشعب بعناصره في أسلوب الحياة الفردية والجمعية، تتجلى في المأكل بأنواع الأطعمة وأدوات المائدة، وكذلك في المَلبس وتنسيقاته إلى العمران وتصاميمه، وتتعمق إلى الأمور المعنوية، في الفن بأشكاله العديدة من موسيقى ورسمٍ وأدبٍ وتمثيل ورقص وغيرها، ويشكل الفكر والفلسفة والدين عناصر أساسيةً في هذا المفهوم، لما لها من تأثير على باقي الجوانب الحياتية المعنية بالأخلاق والمعايير والقوانين والعادات والتقاليد في مجتمعٍ ما.
كل هذه العناصر اختلقها الإنسان على مراحل، أو بالتزامن مع بعضها، عبر مراحلَ زمنيةٍ طويلة أو قصيرة، وأصبحت ثقافةً عندما امتلك أسلوبه الفريد عن غيره من البشر، الذين اختلقوا بدورهم أساليبهم الخاصة المختلفة عن بعضها، وفقاً لظروفهم وإمكاناتهم في الوعي والإدراك وبالتالي الإبداع، وكذلك البيئة المحيطة وتفاعلهم مع عناصرها.
بهذا يمكن القول أن الإنسان كائنٌ “مثقف” حتى قبل أن يظهر هذا المصطلح، لأنه يتميز عن باقي الأحياء بفطرته الاجتماعية وعقله الواعي المبدع، الذي ساعده في رسم حياته بمفرده لسد حاجات شخصه ومن ثم مجتمعه، الذي أصبح مع الزمن جزءاً من كيانه، مدفوعاً إلى ذلك بفطرته الاجتماعية وبحثه عن التحصُّن بالقوة من أجل الاستمرار في الحياة.

وتبقى الثقافة سائدةً بحكم حب الإنسان للتملك، فتلك الغريزة تدفعه للمحافظة على أدواته وحمايتها والتفرد بها، ومن هنا يُرجع بعض الباحثين غزارة التنوع الثقافي إلى خصوصية المُلكية، ويؤكدون أنه من هذا التنوع تحديداً ولدت الثقافة التي هي تمايز سلوك الفرد أمام سلوك الآخر، وأن دواعي التنوّع هي طبيعة الإنسان الخلّاقة.
والثقافة من حيث أن منشأها الفرد بفضوله وحبه للاستكشاف لإشباع حاجاته ورغباته وغرائزه بأساليبَ يبتدعها، فإن الجماعة تحافظ عليها بالتقليد بقدر تأثير الفرد فيها.
فنون عظيمة بمدارس متنوعة نشأت وازدهرت بفعل ثقافة الإنسان التي انبثقت بدورها من حبه للجمال وتناغمه مع الطبيعة بأصوات عناصرها وتقلبات مناخها ومناظرها.
مع تطور المجتمعات الإنسانية عبر العصور أصبحت الثقافة أهم دلالات هوية الإنسان فهي تحمل دلالة وجوده عبر التاريخ في كيان أجداده، كما يورث هو هذا الوجود في كيان أحفاده، لتمنح ثراءً معنوياً للهوية الفردية منسجمةً مع الهوية الجمعية وقابلة للصقل مع تقادم الأجيال.
إلى اليوم تستخدِم أطراف الحكم والجهات النافذة الأيديولوجيات التي آتت مفعولها في العبث بسيكولوجيا الجماعات، وإصابتها بأمراض التعصب والعنصرية، وكلها شجعت بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر سياسات وممارسات أدت لارتكاب جرائم، وصلت إلى مستوى الصهر والإبادة بحق الكيان الجمعي الآخر المختلف ثقافة، وسنتطرق إلى بعضٍ من الصور الجلية في كلٍّ من لبنان والعراق وشمال شرق سوريا..
التنوع في المشهد اللبناني:
لاتزال أسباب وظروف الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 والحاضرة إلى يومنا هذا بتداعياتها الخطرة على المدنيين، تنذر بالتصعيد في لبنان، خاصةً مع الأحداث التي شهدها هذا البلد خلال السنوات الأخيرة؛ ففي 17 من أكتوبر تشرين الأول عام 2019 احتج اللبنانيون على حكومتهم، التي لا تدير بشكلٍ فعليٍّ مؤسساتها، أكثر مما تديرها أسمياً، ليشهد البلد حالة فوضى، بسبب تضارب نفوذ ومصالح الأحزاب السياسية التي يحمِل كلٌّ منها أجندةً متضاربةً مع الأخرى، وبعضها يتهم بارتهانها لمصالح دولٍ أخرى.
أسباب كثيرة أدت لشحن الحشود اللبنانية في الساحات، أبرزها الاقتصاد المتدهور والفساد المستشري في المؤسسات الحكومية وانقطاع الكهرباء، وخشية فتح ملفات تحقيقٍ في القضايا الشائكة للأحزاب السياسية التي تتبادل الاتهامات. وهي عينها الكيانات التي أججت الحرب الأهلية في لبنان لخمسة عشر عاماً ـ طفت على السطح حوادث تفجيرٍ واشتباكاتٌ أدت لمقتل شخصياتٍ بارزةٍ في المشهد السياسي اللبناني، وخلّفت مئات الضحايا وآلاف الجرحى، خاصةً خلال انفجار مرفأ بيروت بتاريخ 4 أغسطس آب من عام 2020.
ولبنان بلدٌ غني بمكوناته الثقافية، ففيه يقطن المسيحيون بطوائفَ مختلفة، والمسلمون من السنة والشيعة وكذلك الدروز، والظروف التي يشهدها اليوم تهدد هذا الغنى الثقافي الذي سبق وأحدثت فيه الحربُ الأهلية اللبنانية صدعاً كبيراً، بسبب ما ألحقته بالمدنيين من تهجيرٍ جماعيٍّ قسري واضطهادٍ طائفي وجرائم قتل وخطف.
التنوع في المشهد العراقي:
العراق بدوره بلدٌ غني بالثقافات، لا بل شهدت أرضه صروحاً لمزاراتٍ ودورَ عبادة أديانٍ كثيرة، لشعوبٍ تعاقبت في العيش على أرضه، فهو مهد حضارات بلاد الرافدين التاريخية.
كلبنان يفتقد العراق للسيادة الفعلية، ووسط حالة الفوضى السياسية والأمنية تُنتهك حقوقٌ عديدةٌ تطال بالدرجة الأولى المكونات الثقافية التي لم تُمنَح حقوقاً دستوريةً في التمثيل السياسي والإداري بهيئات الحكومة العراقية.
بعد سقوط نظام البعث في العراق عام 2003 وبروز الجماعات الإرهابية في العراق، من بينها تنظيم القاعدة الإرهابي، تحوّل القمع الحقوقي في المشاركة بالمشهد السياسي العراقي لكثيرٍ من مكونات البلاد التاريخية إلى وقوعها ضحيةَ خططٍ ممنهجةٍ للإبادة العرقية على أيدي التنظيم الإرهابي، الذي ابتكر آخر مخططاته في الإجهاز على معالم هذه المكونات بالمنطقة، تنظيم داعش الإرهابي.
ولسوء طالع هذه المكونات المسيحية منها والإيزيدية والشبك والكاكائية والصابئة المندائيين، فإن غالبيتها تقع في المناطق المُتنازع عليها بين الحكومة المركزية العراقية وحكومة إقليم كردستان، مما جعلهم أيضاً مفتقرين إلى الحماية العسكرية.
بالنسبة لمسيحيي العراق، تتركز بلداتهم التاريخية في سهل نينوى بكلٍّ من قضاءي الحمدانية وتل كيف وناحيتي برطلة والقوش. ولأول مرة منذ قرون شهد سهل نينوى خلاءً تاماً من الوجود المسيحي، في صيف 2014 إبّان سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، بعد أن نزح غالبيتُهم إلى إقليم كردستان، والكثير منهم أكملوا مسار النزوح إلى الهجرة نحو الحدود الأوروبية، باستخدام الوسائل المختلفة الشرعية منها وغير الشرعية.
ولم يكن الحال أفضل بالنسبة للإيزيديين في العراق، إذ باغتهم تنظيم داعش الإرهابي باحتلالٍ مفاجئ لموطنهم سنجار في آب أغسطس 2014، وألحق الويلات بالعائلات الإيزيدية فقتل الشباب والرجال واختطف الأطفال واقتاد النساء إلى أسواق النخاسة، في جريمةٍ اعتُبرت إبادةً جماعيةً بحق الشعب الإيزيدي، الذي لا يزال يتجرّع أسقام تبعات هذه الفاجعة.
الشبك والكاكائية والصابئة المندائيون بدورها، مكوناتٌ عاشت حالة عزلةٍ سياسية واجتماعية في المجتمع العراقي، تعرضت مزاراتُها للتدمير على يد داعش، ونُهبت أملاكهم واستطاع النجاةَ منهم فقط من لاذ بالنزوح نحو الشمال.

التنوع في مشهد شمال وشرق سوريا:
في شمال وشرق سوريا وقع التنوع الثقافي للمكونات الشعبية. الذي يتلون بين الكردية والعربية والأرمنية والآشورية والسريانية والشركسية والتركمانيةـ هدفاً أّول لسياسات النظام التركي، الذي بدأ بالتسلل بشكلٍ مباشرٍ إلى المشهد السوري من الغرب، وبشكلٍ غير مباشر بتدريب وتصدير عناصر تنظيم داعش الإرهابي إلى شمال شرق البلاد في بداية ظهوره.

وبعد قضاء قوات سوريا الديمقراطية على نفوذ داعش في المنطقة، لجأ النظام التركي إلى سياسة الاحتلال المباشر لعفرين شمال سوريا والشريط الحدودي الممتد من رأس العين/ سري كانيه إلى تل أبيض/ كري سبي، شمال شرق سوريا، ومرة أخرى بمساعدة فصائل إرهابية جندها ودرّبها خدمةً لتسهيل تنفيذ مخططاته في المنطقة.
بعد سيطرة داعش على مناطق في سوريا، هاجم إرهابيوه 34 قرية آشورية على ضفاف نهر الخابور في عام 2015، حيث نهبوا وسلبوا الممتلكات وارتكبوا جرائمَ قتلٍ مروعة، واختطفوا النساء والأطفال وأقدموا على حرق الكنائس.
لم يكن حال القرى الأرمنية القريبة من الحدود التركية، التي تعرضت أيضاً لهجمات الفصائل الإرهابية التابعة لتركيا، أفضل، ليشكل المكون المسيحي في المنطقة اليوم 4 في المئة فقط، بعد أن أضطر الكثير من عائلاته إلى الهجرة.
وفي مرحلة الاحتلال كانت القرى الإيزيدية ومعالمها الدينية الأثرية في عفرين المحتلة منذ 2018 أوّل ما توجهت إلى تدميره آلةُ قمع الاحتلال، ضمن محاولاته لتغيير ديمغرافية المنطقة، التي قامت ببناء مستوطناتٍ لإسكان عوائل الفصائل الإرهابية التابعة لها، وتوطين اللاجئين السوريين في منازل الكرد بعفرين، في محاولةٍ لخلق فتنةٍ بين السوريين أنفسهم.
الانتهاكات المسجلة منذ بداية الاحتلال إلى تاريخ اليوم، التي تطال المناطق الزراعية في عفرين والنساء والأطفال، قلّصت نسبة الكُرد في عفرين إلى30 في المئة، بعد ما كانوا يشكلون 90 في المئة من النسيج السكاني لعفرين.
وبسبب الصمت الدولي حيال جرائم الاحتلال، فإن تمادي الفصائل الإرهابية في عفرين وصل إلى حد إعلان ناحية جنديرس الكردية منطقةً منكوبة، خلال الزلزال الذي ضرب أجزاءً من تركيا وسوريا العام الماضي، وذلك بسبب منع الفصائل إيصال المساعدات إلى المناطق الكردية، وإدخال آلياتٍ لرفع الكتل الخراسانية، في مشهدٍ قدّم أبشع صورِ تجلّي العنصرية.

اليوم العالمي للتنوع الثقافي:
في 21 أيار/مايو من كل عام تحتفي اليونسكو باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، تشجيعاً منها لسياسة الحوار بين الثقافات، إذ قدّرت المنظمة الدولية أن 89٪ من جميع النزاعات الحالية في العالم تحدث في البلدان ذات الحوار القليل بين الثقافات.
ودخل مفهوم التنوع الثقافي في أبجديات الأمم المتحدة بشكلٍ واضح في القرن الحادي والعشرين، كالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، ضمن سياق بحثها عن سبل تحقيق السلام والتنمية المستدامة.
