يد تتشابك مع يد أخرى، لتشكل دبكة بألوان زاهية، والفرح والسرور يعتلي الوجوه، التي أنهكها التعب طيلة عام كامل لتشرق اليوم، مع شروق شمس النوروز في الحادي والعشرين من آذار/ مارس من كل عام.
النوروز…
ميلاد الحرية
يحتفل الكرد في موطنهم الأصلي وفي دول الاغتراب في الحادي والعشرين من آذار/ مارس من كل عام بعيد النوروز.
النوروز كلمة تعني اليوم الجديد باللغة الكردية، ويعد الحد الفاصل بين الشتاء والربيع، وهو أول أيام السنة الكردية التي وصلت إلى عام 2635.
وعلى مر العصور عانى الكرد ما عانوه في هذا اليوم الذي يحمل دلالات على الخلاص من الظلم ونيل الحرية في الأساطير الكردية.
فما هي حكاية النوروز
إليكم القصة
تقول الميثولوجيا الكردية إنه في زمن يعود إلى قرابة 700 عام قبل الميلاد، أي في عهد الدولة الآشورية قبل سقوطها على يد الميديين الذين هم أسلاف الكرد، كان هناك رجل يمتهن الحدادة يدعى كاوى خسر 15 طفلاً من أبنائه على يد ملك ظالم يعرف بـ “الضحاك”، وكان يملك أفعى تتغذى على أدمغة الأطفال، وعندما لم يتبق له سوى طفلة واحدة، قرر مواجهة الملك وذهب إلى قصره حاملاً مطرقته، واستطاع التغلب عليه، ثم أوقد النيران في أعلى القصر رافعاً شعلة بيده، ليعرف الأهالي بخبر انتصاره, وكان هذا اليوم يصادف الحادي والعشرين من آذار/ مارس، وعده الكرد ميلاداً للحرية وانعتاقاً من الظلم.
والآن وبعد مضي كل تلك السنين، وبعد تقسيم الوطن التاريخي للكرد مطلع القرن العشرين، وفق مصالح ضيقة لدول مستعمرة، ومعاصرتهم لأنظمة ديكتاتورية في بلدانهم الجديدة، أنظمة أذاقتهم الأمرين، وحرمت عليهم الاحتفال بعيدهم القومي، وإقامة طقوس عيد النوروز، ولاحقتهم وزجتهم في السجون، وقتلت منهم من قتلت، كل ذلك في سبيل محو تاريخهم، ومحو أثرهم في المنطقة، لكن الكرد كانوا كطائر العنقاء، الذي يعود للحياة من الرماد، فأبوا الموت، ورفضوا الاندثار بين صفحات الزمن، ولم ينصاعوا لتلك الأنظمة الديكتاتورية، وأثبتوا أنهم حقيقة واقعة في التاريخ تأبى النسيان.
النوروز
العنب المر
وضمن سياسة الإقصاء التي مارسها النظام التركي في تركيا والحكومات المتعاقبة في سوريا وخاصة حكومات حزب البعث بحق الكرد، منعت إقامة الاحتفالات بالنوروز في كلا البلدين، فكانت التجمعات والاحتفالات تقام في أماكن سرية، وفي أقبية، بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية في أنقرة ودمشق.
[lazy-load-videos-and-sticky-control id=”G2ISY2IjRXg”]
ويذكر التاريخ أول شهيد من الكرد في التاريخ المعاصر في سوريا، وهو من أبناء مدينة قامشلي شمال شرقي سوريا، ويدعى سليمان آدي والذي تصدر مظاهرة رافضة لمنع الاحتفالات في العاصمة السورية دمشق، واتجهت صوب القصر الجمهوري في الحادي والعشرين من آذار/ مارس عام 1986، إلا أن أجهزة الأمن السورية واجهت المظاهرة بالرصاص الحي وأردت آدي قتيلاً.
وفاة آدي جاءت لتفيض كأس القهر الذي شربه الكرد على مدار سنين تحت حكم البعث، فتحدوا السلطات التي كانت تختلق أعذاراً ما أنزل الله بها من سلطان لمنعهم من الاحتفال بيوم النوروز، فتارة تقر يوم عمل طوعي في ذلك اليوم، وتارة أخرى تبرمج الامتحانات المدرسية والجامعية في النوروز، إلا أن كل ذلك جاء ليزيد من عزيمة الكرد في التمسك بعيدهم القومي، رغم الاعتقالات واتهامات التخوين التي طالت الصغير قبل الكبير.
وأمام هذا الإصرار، رضخت السلطات السورية لمطالب الشعب الكردي، فأقر الرئيس السوري السابق حافظ الأسد يوم النوروز عطلة رسمية في عموم سوريا، لكن بمناسبة عيد الأم.
ورغم ذلك، واصلت الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة السورية تعكير صفو احتفالات النوروز، بقطع الطرق، ومنع الكرد من ارتداء الزي الكردي التقليدي، وتأليب السكان العرب في القرى الواقعة على طريق مكان الاحتفال لضرب السيارات المتجهة إليه أو العائدة منه.

وبقي الحال هكذا إلى أن جاءت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، التي وفرت الأمن والأمان للمحتفلين بعيد النوروز في عموم مناطقها.
النوروز في المناطق المحتلة
في المناطق والمدن السورية المحتلة من قبل النظام التركي، أعاد التاريخ نفسه، فمنع الكرد من المجاهرة بالاحتفال بعيد النوروز، ومن يخالف ذلك، يكون سيف الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي مسلطاً عليه، هو وعائلته، ضمن خطة ممنهجة لإبعاد السكان الأصليين عن منازلهم، التي تمنح للمستوطنين على طبق من فضة.
النوروز يوم عالمي

يوم النوروز ليس حكراً على الكرد من بين شعوب العالم، فهو عيد لدى الفرس والطاجيك والأوزبك والأذريين وشعوب أخرى كثيرة، كانت دولهم وممالكهم تقع على طريق الحرير القديم الذي كان يربط شرق العالم بغربه.
ولما كان هذا العيد يساهم في تعزيز التنوع الثقافي والصداقة بين الشعوب ومختلف المجتمعات، فإنه يتماشى على نحو وثيق مع مواثيق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، وقد أُدرج عيد النوروز، وفقاً لاتفاقية 2003 الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي، باعتباره عنصراً من عناصر هذا التراث، في قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث غير المادي للبشرية في عام 2009.

وفي عام 2010، سمت الجمعية العامة للأمم المتحدة الحادي والعشرين من آذار/ مارس من كل عام بـ “يوم نوروز الدولي”، مرحبة بالجهود التي تبذلها الدول الأعضاء التي يُحتفل فيها بنوروز من أجل الحفاظ على الثقافة والتقاليد المتصلة بنوروز وتطويرها وتشجيع الدول الأعضاء على بذل الجهود للتوعية بنوروز وتنظيم مناسبات سنوية احتفالاً به.

صحيح أن هذا العيد تحتفل به عدة شعوب في عدة دول، لكن نتيجة الاضطهاد الذي خبره الكرد على مر السنين، ارتبط بهم النوروز وارتبطوا به، وتغنوا به في أغانيهم، واستشهدوا بمعانيه لرفع الروح المعنوية في أحلك الظروف التي قاسوها على يد الديكتاتوريين.

الكرد في كل نوروز يمارسون طقوسهم الممتدة عبر آلاف السنين، يستذكرون كاوى الحداد في ليلة النوروز بإشعال النيران، ويظهرون عشقهم للطبيعة في يوم النوروز، ويلبسون الملابس التقليدية، المليئة بالألوان الزاهية، فهم يرفضون الموت، ويحبون الحياة، ويسعون إليها ما استطاعوا إليها سبيلا.
