مَن يقرأ تاريخ المنطقة بشكل دقيق يرى أن التداخلَ والتعايشَ المشترك العربي الكردي تاريخياً وجغرافياً أعمقُ من الأصوات الشاذة والأفكار الضيقة التي تحاولُ التفريق بينهما، فالتاريخ والجغرافيا يفرضانِ على الشعبين العربي والكردي آمالاً وآلاماً واحدة.
كان الكرد عبر العصور الحِصنَ المنيعَ لحماية حدود المنطقة من الناحية الشمالية، كما ساهموا مع مكوناتِ المنطقة بصدِّ غزوات المغول والتتار والبيزنطيين، وفيما بعد سلطات الانتداب الفرنسي والإنكليزي.
وما التلاحمُ العربيُّ الكردي الذي فاق كلَّ التصورات في مقاومة أعتى تنظيمٍ إرهابيّ في العالم ودحره عام 2019، إلا صورةٌ جليّةٌ لهذا التاريخ الممتد عبر سنوات طوال.
ولأنَّ “لا شيء خارج التاريخ” كما يقولُ الشاعر الكردي شيركو بيكس، وجبتِ العودةُ إلى الماضي القريب ومفاصله المهمة لفهم ما يجري اليوم.
فبعدَ اتفاقيةِ سايكس خضعت سوريا لسلطةِ الانتداب الفرنسي وازدادت معاناةُ الشعبِ في سوريا من شكلٍ جديدٍ من الاستعمار تحت مُسمّى الانتداب، ولم تكن بعد قد تنفسّت الصعداء بعد الخلاصِ من الاحتلال العثماني.
وكما كان للكردِ صولاتٌ في مقارعةِ الاحتلال العثماني كان لهم نضالٌ على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والعسكرية في مواجهة سلطات الانتداب الفرنسي، وكان لهم دورٌ بارز في صنع استقلالِ سوريا في السابع عشر من نيسان عام 1946م.
وقد يكون التذكيرُ ببعض الأحداث والشخصيات من قبيل الإنصافِ والعرفان لتلك البطولاتِ والنضال، إذ برزت أسماء كردية وضعت بصمتها في تاريخِ مقاومة الاحتلال وناضلت ليُكلَّلَ نضالها بالاستقلال لعموم سوريا.
من هو أحمد البارافي
قائدُ ثورة قطنا المناضل الكردي “أحمد البارافي” أحد أبرز تلك الشخصيات التي شاركت في الثورة السورية الكبرى الممتدة من عام 1925 إلى عام 1927، والذي يصادف اليوم الذكرى السادسة والتسعين لإصدارِ حكم الإعدام بحقّه من قبل الفرنسيين.
ينحدرُ “البارافي” من عشيرة البارافيّة الكُرديّة، التي تقطن في (دشتا بارافيا)، في مدينتي خانك وخضّور بين نهري دجلةَ والفرات في إقليم كردستان حالياً، ونتيجة لضغوطٍ من قبل الاحتلال العثماني ومحاولته تشتيت شملِ عشيرة البارافية وغيرها من عشائر الكرد خشية الثورات، هاجرت عائلته واستقرت في مدينة دمشق، وتحديداً في حيّ (ركن الدّين)، واختارت عائلة البارافي سوريا موطناً دائماً لها.
نشأ البارافي وترعرعَ في جوٍّ وطني مُفعم بالثوريّة، فكان ذلك سبباً مباشراً لحماسه في مقاومة الوجودِ الفرنسي في سوريا ولبنان بكلِّ قوةٍ. ولأنَّ الثائر لا يعترف بالحدود، فأينما وجد الظلم فهو موطني…. كما يقول غيفارا… لم يتخّذ البارافي مكاناً محدّداً للمقاومة، بل تحوّلَ من منطقةٍ إلى أخرى. والهدف الثّابتُ في تنقلاته المقاومةُ والكفاح ضد القوات الفرنسيّة على الأراضي السوريّة، لذلك عندما أصدرت سلطاتُ الانتداب الفرنسي في دمشق العفوَ عن جميع الثوار استثنت البارافي، لكنه غامرَ وقدم إلى دمشق برفقةِ سلطان باشا الأطرش.
بعد أن نجحتِ العشائر والثوّار الذين كان يقودُهم الملك فيصل بن الحسين في طردِ العثمانيين من دمشق، سارعَ البارافي، وهو في العشرين من عمرِه، فسبقَ جميع النّاس وصعدَ إلى سطح سراي الحكومة فأنزل العلمَ العثماني ورفع مكانه علم الثورة العربية على سارية سراي دار الحكومة في دمشق. وعندما تشكّلت حكومة وطنية، عُيّن أحمد البارافي رئيساً لمخفر الدرك في قطنا.
دور الكرد في الثورة السورية الكبرى
وبالحديث عن الانتداب الفرنسي والثورة السورية الكبرى لا بد من الإشارةِ إلى دور الكرد الريادي في إشعالِ الثورة السورية الكبرى عام 1925 التي أدّت الى جلاء الانتداب الفرنسي عن سوريا فيما بعد، حيث كانت الرصاصة والشرارة الأولى لهذه الثورة قد أطلقت من عفرين من قبل محو شاشو بالتعاون والتنسيق مع قائد ثورة الشمال السوري الكردي إبراهيم بن سليمان آغا هنانو.
لم يكن دورُ الكرد في الثورة السورية مقتصراً على الجانب العسكري فقط، إذ تذكر صفحاتُ التاريخ، السياسيَّ الكردي الأصل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، والذي يُعتبر المخطط لها، طارحاً شعار (الكفاح المسلح) آنذاك، بينما الكتلة الوطنية طرحت شعار (سياسة التفاهم النزيه مع سلطة الانتداب الفرنسي)، ومن هنا اختلفَ الشهبندر مع الكتلة الوطنية مما دفعَه للجوءِ إلى السويداء مع رفاقه من العرب السوريين، ونصّب الدكتورُ الشهبندر مع رفاقه الثوار سلطان باشا الأطرش قائداً عاماً للثورة السورية الكبرى.
دور البارافي في الثورة السورية الكبرى
انضمّ البارافي رفقةَ أخيه عبد القادر، ومعهم 50 فارساً كرديّاً إلى قافلة الوطنيين الذين بلغَ عددهم 1000 فارسٍ من العرب والكُرد والشّركس وغيرهم مثل الأمير محمود فاعور والمجاهد أحمد مريود، لإعداد العدّةَ لمُقارعة الفرنسيين في داخل الأراضي اللبنانيّة بعد احتلال الفرنسيين للبنان وانتشار جيشهم في أرجائهِ.
سيطر الفرسانُ على منطقة مرجعيون وواجهوا القوات الفرنسيةَ في مناطقَ لبنانيّة أخرى مثل راشيا والصويرة وشتورا وأنحاء البقاع اللبناني، وألحقوا خسائرَ فادحة بالفرنسيين، إلى أن أصدرَ الملكُ فيصل أمراً برجوعهم إلى مراكز تجمّعهم في قطنا بعد شهرين من مقاومتهم في لبنانَ، وذلكَ انتظاراً لما سيقومُ به الملك فيصل من تفاهمٍ مع الفرنسيين.
ومما يذكر أيضاً في تاريخ البارافي أنه خطّطَ لاغتيال الجنرال الفرنسي “غورو” في قطنا أثناءَ قيامهِ بزيارتها. وساعدَ الثوّارَ بسلاحٍ وأعمالٍ لوجستيّة وقامَ بمُلاحقة الجواسيس وعُملاء الجيش الفرنسيّ، وشاركَ في ثورة قطنا وثورة زاكية وثورة جبل العرب.
إلّا أنّ أكبرَ معركةٍ خاضها ضدّ الجيش الفرنسيّ كانت في بيته الواقع في ركن الدّين، القابع على سفوح جبل قاسيون المُطلّ على مدينة دمشقَ، وكانتِ المعركةُ التي خاضها من بيتهِ المُحاصَر بالقوّات الفرنسية من المعارك البطولية المُشرّفة التي تُذكَرُ باعتزازٍ، فقد استبسلَ فيها رغمَ عدم التكافؤ، واستطاعَ أن يقتلَ عدداً من المهاجمين بينهم ضابطٌ فرنسيّ.
كانَ البارافي رفيقاً لسلطان باشا الأطرش وللشيخ مصطفى الخليلي زعيم ثورة حوران، ومحمد سعيد داري وسعيد العاص وغيرهم. هو بطلٌ من أبطال الثورة السوريّة الذينَ ضحّوا بكلّ ما يملكون لأجل دحر الاستعمار وإجلائه عن الأرض السورية.
وبعد أن حدث شّقاق واختلاف بين الثوّار قرّر بعضهم الاستسلام للقوات الفرنسية والبعض الآخر اتخذ خيار النزوح إلى شرقي الأردن وكان أحمد البارافي منهم، ومن هناكَ سافرَ إلى فلسطينَ من أجل أن يتصّلَ ببعض الشخصيّات الوطنية فيها، وعاد ثانيةً إلى عمّانَ إلى أن اجتمعَ قادة الثورة واتّخذوا خيارَ الرجوع ثانيةً إلى دمشقَ بعد أن استكملوا تجهيزَ العدد المطلوب من الثوار، والتقوا جميعاً في منزل زعيم جبل العرب سلطان باشا الأطرش، وقرّروا مُهاجمة محطة الدبر، بعدَ أن علموا بأنّ مندوبَ المفوّض السّامي يستقلّ القطارَ من درعا باتّجاه دمشقَ.
طلب منه أحدُ القادة الفرنسيين الذهاب إلى الأردن لمساعدة الجيش الإنكليزي في الدخول إلى سوريا، فرفض وحدثت مشادةٌ حادة بينهما في حوران انتهت بتوعّدِ الضابط الفرنسي له، فحكم عليه بالإعدام بعد عودته إلى دمشق في الخامس من آذار سنة 1927.
شاركَ البارافي في معركةِ عين ترما ثم التجأ ثانيةً إلى شرقي الأردن، وبقرارٍ من الأمير عبد الله تمّ توظيف عددٍ من الثوار في دوائر حكومتهِ رغمَ اعتراض الإنكليز على القرار، وعُيّن البارافي في سلك الدرك، وبعدها صدر قرارُ عفو من المفوّض الساميّ الفرنسي في دمشقَ عن جميع الثوار، مستثنياً البارافي منه، غير أنهُ عادَ إلى بلدهِ دمشقَ برفقة سلطان باشا الأطرش ودخلَ إلى دمشقَ، الأمر الذي أحرجَ الفرنسيينَ، وأُعفيَ عنهُ أيضاً.
عاش “أحمد بارافي” قرابة مئة عام وتوفي في “دمشق” 1998م، وتقديراً لنضاله ضد سلطات الانتداب الفرنسي قرر مجلس محافظة “دمشق” إطلاق اسمه ” على أحد شوارع المدينة، كما ينسب البعض اسم قرية “بارافو” التابعة لناحية شران في عفرين المحتلة، إلى عشيرة البارافية التي ينتمي لها المناضل “أحمد البارافي”.
