لم يعد ملف المسلحين السوريين الذين جرى نقلهم إلى ساحات الصراع خارج سوريا مجرد قضية مرتبطة بالحرب الليبية، بل بات نموذجاً لدور متنامٍ في تجنيد مرتزقة سوريين وإعادة توظيفهم في نزاعات خارجية، وسط اتهامات متكررة لتركيا بالوقوف وراء عمليات الاستقدام والنقل والتمويل، وتحويل فصائل سورية مسلحة إلى قوة يمكن استخدامها في حروب ومصالح تتجاوز الحدود السورية.
وتعيد الاحتجاجات الأخيرة التي نظمها مسلحون سوريون في العاصمة الليبية طرابلس للمطالبة بمستحقات مالية متأخرة، ملف هؤلاء إلى الواجهة، وتطرح تساؤلات أوسع بشأن الجهات التي قامت بتجنيدهم ونقلهم إلى ليبيا، والجهات التي تتولى تمويلهم، وكذلك مصيرهم بعد انتهاء العمليات العسكرية التي جرى استقدامهم للمشاركة فيها.
بدأ حضور المسلحين السوريين في ليبيا بصورة واضحة عام 2019، عندما دعمت تركيا حكومة “الوفاق الوطني” السابقة في مواجهة قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر خلال هجومها على العاصمة طرابلس.
وفي إطار الدعم التركي، جرى نقل مسلحين من فصائل سورية معارضة إلى الأراضي الليبية، ومن بينهم عناصر من “فرقة السلطان مراد” وغيرها من الفصائل المرتبطة بتركيا.
وبذلك انتقل مقاتلون كانوا ينشطون في سياق الحرب السورية إلى ساحة صراع جديدة تبعد آلاف الكيلومترات عن بلدهم، في مؤشر على تحوّل بعض الفصائل السورية المسلحة إلى تشكيلات قابلة لإعادة الانتشار خارج الأراضي السورية وفقاً لحسابات الأطراف الداعمة لها.
ورغم توقف المعارك في ليبيا عام 2020، وبالرغم من مرور أكثر من عشرين شهراً على سقوط النظام السوري، لم يغادر جميع هؤلاء المسلحين ليبيا، بل استمر وجود أعداد منهم في طرابلس ومصراتة، ووثقت تقارير أممية مشاركتهم في مواجهات شهدتها طرابلس عام 2025.
وتثير هذه الظاهرة تساؤلات حول تحويل الفصائل السورية المسلحة إلى قوة مقاتلة عابرة للحدود، يجري تجنيدها كمرتزقة وإعادة نشرها في حروب خارج سوريا وفقاً للمصالح التركية، فضلاً عن الأعباء الأمنية والمالية التي تتحملها الدول المضيفة.
وتكشف أزمة الرواتب الأخيرة في العاصمة الليبية طرابلس، أن ملف هؤلاء المسلحين لم ينته بانتهاء الحرب، بل تحول إلى مشكلة مستمرة، وسط غموض بشأن مصادر تمويلهم ومصيرهم، ودعوات لمحاسبة الجهات المسؤولة عن تجنيدهم وإرسالهم إلى الصراعات الخارجية.
