بمساحة تُقدر بأكثر من ثلاثين مليون كيلومتر مربع، وبمناطق إستراتيجية، جعلت منها مطمعاً للقوى والإمبراطوريات الكبرى في قرون خلت، إنها القارة الإفريقية، تلك القارة التي عانت شعوبها من الاستعمار فيما مضى، وما تزال تعاني من تبعاته إلى يوم الناس هذا.
الاستعمار الأوروبي لم يبق ولم يذر في القارة الإفريقية من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وكانت العبودية من بين أبشع الانتهاكات التي مورست بحق شعوبها.
ومع إسدال الستار على الحرب العالمية الثانية، نشطت في معظم البلدان الإفريقية حركات تحرر مسلح بأفكار يسارية سعت إلى تحرير بلادها من المستعمر الأوروبي، وبعد سنوات من الهجمات جاء العقدان السادس والسابع من القرن الماضي باستقلالات متتالية للدول الإفريقية.
فترة ما بعد الاستقلال لم تكن مفروشةً بالورود بالنسبة لسكان القارة، خاصةً البلاد التي كانت تعاني من معدلات كبيرة في الفقر والجوع.
فيما عانت بلاد أخرى من الفساد الذي ضرب حركات التحرر التي خاضت حروب الاستقلال في البلاد، وتحول تلك الحركات إلى ممارسة الديكتاتورية عوضاً عن الديمقراطية التي كانت قد وعدت شعوبها بها.
بقاء الحكام العسكريين على رأس السلطة لسنوات، جعل معظم البلاد الإفريقية تعيش حالة تخبط، لا سيما مع زيادة الانقلابات العسكرية، والتي بدورها كانت تأتي بقادة عسكريين جدد، همهم الأول الحفاظ على المنصب، دون الالتفات إلى هموم الناس، التي كانت ذريعتهم الأولى في تنفيذ الانقلاب.
وما بين انقلاب وانقلاب، تأخرت حركة النمو في معظم بلدان القارة، وتراجع التعليم، وكذلك الاهتمام بقطاع الصحة، وزادت أعداد الوفيات بسبب الأمراض والأوبئة، وكذلك بسبب الجوع الذي فتك بالملايين من البشر في القارة السمراء.
الاتحاد الإفريقي، تأسس في أيار/ مايو 2001 ويقع مقره في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، وهو اتحاد يضم خمساً وخمسين دولةً من الدول الأعضاء التي تعمل معاً لمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الرئيسة، بما في ذلك الحد من الصراعات وإنهائها وتعزيز التنمية والتكامل في عموم إفريقيا من خلال أجندة طموحة لعام 2063.
هذا الاتحاد كانت إحدى أبرز قراراته عدم الاعتراف بأي حكومة إفريقية تأتي عن طريق الانقلاب، في سبيل تخفيف عددها والقضاء على تلك الظاهرة التي باتت سمةً ملازمةً للقارة.
قرار كان له الأثر الكبير في بدايته إذ خفت وتيرة الانقلابات بشكل ملحوظ حتى ظن البعض أنها باتت من الماضي، إلا أن فساد الحكام المعمرين في السلطة، والذين شبههم البعض بأنهم وكلاء المستعمرين الأوروبيين بعد خروجهم من البلاد، وذلك بتنازلهم عن خيرات البلاد بعقود رخيصة القيمة، في سبيل الحصول على الدعم الغربي للبقاء في السلطة وتوريثها لمن يرغبون فيما بعد، أعاد البلاد إلى المربع الأول من حالة الانقلابات.
وفي ظل الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، دخل الإرهاب إلى القارة الإفريقية خاصةً في منطقة الساحل، وهو ما مهد الطريق لعودة القوات العسكرية الأوروبية وخاصةً فرنسا إلى القارة، ولكن هذه المرة تحت مسمى جديد، وهو حماية الدول من الإرهاب، فيما الحقيقة كانت وفق مراقبين أن الدول الأوروبية أرسلت قواتها لحماية الأنظمة من الانهيار لأنها تخدم مصالحها هناك.
وكانت دول الساحل في قلب تلك البلاد التي هاجمها الإرهاب، ولذلك قادت فرنسا جهوداً أوروبيةً لتأسيس عملية برخان عام 2014، والتي كان هدفها القضاء على التنظيمات الإرهابية في مالي وبوركينا فاسو وغيرها من دول الساحل، إلا أن العملية كان مصيرها الفشل خاصةً مع موجة الانقلابات الجديدة التي ضربت دول الساحل وهي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهذه الدول قطعت علاقاتها مع فرنسا تباعاً في شيء يشبه سقوط أحجار الدومينو لقادة كانوا حلفاء لفرنسا وللغرب.
وهكذا فقدت فرنسا أحد أبرز عوامل القوة التي كانت تتمتع بها في القارة الإفريقية لترى نفسها خارجةً صفر اليدين من مستعمراتها التي تحولت سياساتها مئة وثمانين درجةً، لا سيما مع توجه قادتها الجدد نحو الشرق، نحو روسيا، التي تلقفتهم وكانت من بين أوائل الدول المرحبة بالانقلابات المتتالية في منطقة الساحل.
طرف آخر استفاد من حالة الانقلابات في إفريقيا، ألا وهو النظام التركي، الذي سعى إلى تعزيز العلاقات مع الصومال للحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر، كما أنه وبحسب تقارير إعلامية بدأ بإرسال مرتزقة سوريين نحو النيجر، البلد الغني باليورانيوم، والذي يعاني من مستويات فقر مرتفعة.
إذاً هذه هي إفريقيا، القارة التي يبدو أن قدرها أن تتحرر من مستعمر لتجد نفسها تحت حكم وكيل له من أبناء البلد، يبدأ هو بالفساد والظلم بحق أبناء شعبه، ومن ثم انقلاب يطيح به، ليأتي زعيم آخر بأفكار أخرى، لكنها مرتبطة بدولة أخرى ترتدي قناع الحمل الوديع، فيما الواقع يقول إنها لا تختلف عن المستعمر القديم اللهم إلا بالاسم، وأسلوب نهب خيرات البلاد.
فمتى ستستفيق الشعوب الإفريقية من سباتها، وتنهض ببلادها، بعيداً عن الولاءات لدول بعينها، وتهتم بالتنمية الاقتصادية، والسير في دروب الديمقراطية، نحو غد مشرق يحلم به كل إفريقي؟؟؟.
