كيف للشعب السوري أن يتنفس الصعداء بعد سقوط نظام الأسد، وما تزال براثن حربه مغروزةً في قلوبهم إلى اليوم؟ وكيف للأمن أن يجد له سبيلاً في قلقهم المتجذر في نفوسهم وما يزال صدى الطائفية يصدح في أروقة ذاكرتهم التي مزقتها الحرب؟
تساؤلات كثيرة تتردد في أذهان السوريين، تبحث عن أجوبةٍ مقنعة لعلها ترمم ما تفتّق من أمنهم وثقتهم في حياةٍ هانئة وتشاركية، ينعمون فيها بطمأنينة بعد خوف، وهناءٍ بعد عذاب.
في الآونة الأخيرة، تزايدت مظاهر الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية في سوريا، لتطفو على السطح، وتؤجج حالةً من التجييش بين مختلف الأطراف. هذا التصاعد المقلق بات يعكس شرخًا عميقًا في النسيج الاجتماعي، شرخًا عمقته سنوات الحرب الطويلة.
لم تكن الحرب في سوريا مجرد صراع مسلح؛ بل كانت محفزًا رئيسيًّا لتصاعد الانقسامات الطائفية. ففي خِضم الفوضى والصراع على السلطة، تم استغلال الهويات الطائفية لشق الصفوف وتعبئة الأفراد، حيث تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات ذات أبعادٍ طائفية، مما أدى إلى تفكيك روابط التعايش التي كانت سائدة.
روايات التظلّم وتقاذف الاتهامات المتبادلة، عملت على ترسيخ الشعور بالانتماء الضيق، وتغذية الكراهية تجاه الآخر المختلف طائفيًّا.
سنوات الحرب الطويلة أدت إلى تآكل الثقة بين المجتمعات المختلفة. فمع كل قذيفة، وكل نزوح، وكل اعتقال، تعمّقت الفجوة بين أبناء الوطن الواحد. تحوّلت الأحياء المتجاورة إلى خطوط تماسٍ طائفية، وصارت الروايات الشخصية عن المعاناة تُفسَّر من منظورٍ طائفي بحت، مما زاد من حدة الاستقطاب.
لا شك بعد ذلك كله أن تتحمل الحكومة السورية الانتقالية مسؤوليةً كبيرة في معالجة هذه الظاهرة الخطيرة، فتقريب وجهات النظر وتحقيق التلاحم بين مكونات الشعب السوري ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية لإعادة بناء سوريا. يقع على عاتق الحكومة مهمة رئيسة.
لعل نبذ الخطاب الطائفي وتعزيز المواطنة والمصالحة المجتمعية، من أبرز الوسائل التي يمكن للحكومة السورية الانتقالية التعويل عليها، لرأب ذلك الصدع المجتمعي، بالإضافة إلى دعم برامج الحوار والتفاهم بين المجتمعات المتضررة، فالطريق إلى التعافي يبدأ بلم شمل السوريين، وإعادة بناء الثقة المفقودة.
