ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حتى بدأت حربٌ أخرى عُرفت بالباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بقيت نارها تستعر تحت الرماد حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام واحدٍ وتسعين وتسعمئةٍ وألف، إلى أن اشتعل لهيبها في أوكرانيا عام ألفين واثنين وعشرين، بين وكيلٍ عن أحد طرفي الصراع السابق، وأصيلٍ يطمح لاستعادة هيبةٍ مفقودة.
ففي الرابع والعشرين من شباط فبراير ألفين واثنين وعشرين، اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، بعد أن رفضت الولايات المتحدة والدول الأوروبية، الاستجابة لمطالبة موسكو بضماناتٍ أمنية تشمل تعهُّداً ملزماً بعدم انضمامِ أوكرانيا للناتو، وخفض قوات الأخير وعتاده العسكري في أوروبا الشرقية، وسط إصرار كييف على محاولاتها اللحاق بالركب الغربي، بسبب مخاوفها من التمدّد الروسي.
اعترفت روسيا رسمياً بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، وأعلن الرئيس فلاديمير بوتين انطلاق الحرب، فبدأت الغارات الجوية على المناطق الأوكرانية، ودخلت الدبابات الروسية عبر حدود بيلاروسيا، فقدرت الأمم المتحدة أن أكثر من مئة ألف أوكراني تركوا منازلهم، وعبر الآلاف منهم إلى مولدوفا ورومانيا، فيما كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن مئةً وسبعةً وثلاثين أوكرانياً من المدنيين والعسكريين، قُتلوا في اليوم الأول من الهجوم الروسي.
وبينما كان الروس يسيطرون على عدة قرىً وبلدات، ويحاولون تطويق العاصمة كييف والتقدّم إلى خاركيف، رفض الناتو فرض حظرٍ جويٍّ فوق أوكرانيا خوفاً من اندلاع حربٍ شاملة مع روسيا، وسلّم أعضاؤه أسلحةً دفاعية ودعماً بمليارات الدولارات لأوكرانيا، كما وافق الاتحاد الأوروبي على شراء أسلحةٍ لكييف بشكلٍ جماعي، والذي اعتبره الكرملين محاولةً لتوريطها بحرب استنزافٍ طويلة ضد روسيا نيابةً عن أمريكا وحلفائها.
إدانات أممية ودولية واسعة واجهت الهجوم الروسي، وفرضت عقوباتٍ كبيرة على موسكو، لكن ذلك لم يمنع سقوط أكثر من عشرة آلاف قتيل، وما يزيد على ثمانيةٍ وعشرين ألف مصاب، إلى جانب فرار نحو ستة ملايين وثلاثمئة ألف شخص للدول المجاورة، بينما أصبح قرابة خمسةَ عشرَ مليوناً بحاجةٍ إلى المساعدة الإنسانية.
ومع دخول الحرب عامَها الثالث، تغيب أيُّ مؤشّراتٍ على نهايتها، وتتزايد احتمالات توسّعها على الرغم من الخسائر الكبيرة لطرفيها، وتراجع الدعم الغربي لأوكرانيا، في مقابل تفاقم أزمات التضخّم وارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وحالة الاستقطاب الإقليمي والدولي، التي أدّت لظهور تحالفات وتغيّر أخرى، وعزّزت مخاطر تفجّر صراعاتٍ وحروبٍ جديدة، تهدّد بالمزيد من الكوارث الإنسانية، ولا سيما في عصر التكنولوجيا المتطوّرة والأسلحة النووية.
