في منطقةٍ تحولت إلى ساحةٍ للتنافس الدولي، وورقة للتفاوض على شأن داخلي سوري، إثر انتهاكات وممارسات قائمة على التحريض الطائفي والإقصاء والفكر المتطرف، بات الجنوب السوري اليوم أمام مفترق طرق بين الوحدة الوطنية والخيار هناك بيد السلطة الحاكمة في دمشق، وبين أجندات خارجية تقوم على طبيعة المصالح المتباينة أساساً بين قوى إقليمية ودولية، وبالتالي فإمّا النهوضُ بسوريا جديدة مستقرة قائمة على المساواة والعدالة بين مواطنيها، وإما الفوضى والانقساماتُ والأزمات.
فمنذ سقوطِ النظام السوري السابق في أواخر العام الفائت، شكلتِ التدخلاتُ العسكرية الإسرائيلية نقطة فارقة في سوريا وتحديداً في الجنوب السوري، حيث توغلت في العديد من المناطق وسيطرت على مواقع إستراتيجية وشنت العديدَ من الهجمات ولا تزال، قبل أن تأتي أحداث السويداء الدامية في تموز / يوليو، كذريعة لتل أبيب لتواصلَ أجنداتِها.
تطوراتٌ تجعل الحكومةَ الانتقالية السورية في دمشق، أمام خِيارَين، فإمّا تغييرُ السياسة وسلوك مسار الحوار الوطني والتفاهمات مع مختلف المكوّنات السورية بما يحفظ سيادةَ الدولة وحقوقَ المواطن، وإمّا فتحُ الباب أمام تحركاتٍ خارجية من شأنها تفكيكُ البلاد وتوسيعُ الهوة بين السوريين، وَفق ما يراه مراقبون للشأن السوري.
وفي هذا السياق، أشارت مؤخراً وسائلُ إعلامٍ إسرائيلية نقلاً عن مصادرَ عسكرية، إلى فشل المحادثات بين إسرائيل وسوريا، في وقتٍ كان وفدٌ روسيٌّ سوريٌّ عسكري مشترك يُجري جولةً ميدانية في الجنوب السوري، وسْطَ تقاريرَ عن اعتزام روسيا إعادة نشر قواتها في عدة مواقعَ قريبةٍ من الجولان المحتل.
وتزامناً مع تقاريرِ فشلِ المفاوضات، شكلت جولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين كبار في مناطقَ بجنوب سوريا، رسالةً واضحة للحكومة الانتقالية السورية والقوى الإقليمية الفاعلة في الملف السوري، وخاصة تركيا، التي تملك سلطة واسعة ونفوذاً من شأنه تغييرُ القرارات وإصدارُها من دمشق، رسالة مفادها أنّ الجنوبَ خطٌّ أحمر بالنسبة لتل أبيب.
جولة نتنياهو وضعت المزيدَ من الإشارات حول مدى معارضة إسرائيل لوجود تركيا في سوريا وتنامي نفوذِها هناك، وهو ما ظهر في الأشهر التي تلت سقوطَ نظام الأسد، سواءٌ في الهجمات الجوية، أو في تصريحاتٍ حذرت من تزايد نفوذ أنقرة ورسم خطوط حمراء أمامها.
الولايات المتحدة هي الأخرى كما روسيا، مشاركة في هذه التحركات، حيث تحدثت تقارير إعلامية عن استعدادات واشنطن لتأسيس وجودٍ عسكري لها في قاعدة جويّة بدمشق، وذلك للمساعدة في إتاحة تنفيذ اتفاقٍ أمني بين سوريا وإسرائيل، على الرغم من نفي مصدرٍ من الخارجية السورية تلك التقاريرَ دون أيِّ بياناتٍ رسمية.
في المحصّلة، ورغم كل هذه التحركات، يرى متابعون للشأن السوري إمكانية ترجيح كفة موسكو في ضبط المشهد الأمني في الجنوب كوسيطٍ مقبول من دمشق وتل أبيب، وهو ما كانت تؤدّيه لسنواتٍ في عهد نظام الأسد.
ومع كل ذلك، يمكن لدمشق أنّ تنسف كافة التحركات العسكرية للقوات الإسرائيلية وغيرها من التحركات الإقليمية والدولية، وتجعلها حبراً على ورق، من خلال ترميم البيت الداخلي وفتح الحوارات الوطنية ومتابعة مطالب الشعب السوري بمختلف مكوناته وتنفيذها، بعيداً عن المصالح والأجندات الخارجية، التي لا ولن تخدم أبداً السوريين.
