في قلب دمشق ووسط دمارِ ما بعد الحرب، ترتسم ملامحُ تحوّلٍ دراماتيكي جديد، قوًى مُنهارةٌ يُعاد تشكيلها بأيدٍ إقليمية متربصة، وفي طليعتها تركيا، التي لم تكتفِ بما عاثت به فساداً في كل السنين السابقة، بل بدأت بخطىً متسارعةٍ وحثيثة، بفرض رؤاها على الحكومة السورية الانتقالية.
فمنذ سقوط النظام السابق في كانون الأول ديسمبر الماضي، بدأت مطامعُ النظام التركي تظهر للعلن، إذ بادرَ بإرسال مسؤوليه تِباعاً إلى العاصمة السورية دمشق، وافتتح هناك سفارته المغلقة منذ أكثرَ من عقد، ما أظهر الحكومةَ السورية وفق مراقبين، وكأنها أداةٌ لتنفيذ أجندات أنقرة في البلاد، لا حاميةً وضامنةً لحقوق كافة السوريين.
وبحسب المراقبين، فإن النظام التركي فرض على الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، تعيينَ قادةِ الفصائل الإرهابية التابعة له، في مناصبَ قياديةٍ في الجيش السوري المُشكّلِ حديثاً، وذلك في ظل التقارير المتواترة التي تتحدث عن نية أنقرة، إنشاءَ قواعدَ عسكريةٍ في قلب الجغرافيا السورية.
ولم يُخفِ النظام التركي نواياه بالاستثمار في كافة المجالات بسوريا، للتأثير في الاقتصاد والتحكم به، كما وقّع اتفاقياتٍ مع الغُرف التجارية للمدن السورية، بُغية إغراق السوق السورية بالمنتجات التركية.
وظهر النظام التركي في عديدِ القطاعات الحيوية منذ تولي الحكومة الانتقالية زمام الأمور في سوريا، فهو حاضرٌ في قطاع الصحة، والاتصالات، والتعليم العالي، والتربية، ناهيك عن التعاون العسكري المعلن بين وزارتي الدفاع في البلدين.
وعقب كل هذا التدخل الفجّ وفق مراقبين، لم يكن مستغرباً ما ذكره تقريرٌ لموقع المونيتور مؤخراً، عن وجود ضغوطٍ من قبل أنقرة مورست على دمشق، لحثّها على رفض التفاوض مع الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، في العاصمة الفرنسية باريس.
التقرير أكد أن المساعي التركية لإفشالِ الحوار بين الإدارة الذاتية ودمشق، نابعةٌ من تخوف أنقرة من خسارة نفوذها لصالح فرنسا ودولٍ أخرى في المنطقة.
حكومة أحمد الشرع التي يُفترض بها أن تبني سوريا مستقلة، مرتهنةٌ للنظام التركي وفق مراقبين، تتقيد بإرادة أنقرة ونفوذها، مما يمحو أي أفقٍ ذاتيٍ للقرار الوطني، ويعيد إنتاج الدولةِ السورية، كقناعٍ لمشروع إقليمي بحت.
وهكذا، تكتب دمشق فصلاً جديداً من تاريخها، تاركةً التساؤل مفتوحاً هل يمكن استعادة السيادة قبل فوات الأوان، وهل ستكون مستقلةً أم أنها ستكون دمشق التركية بامتياز.
