تشهدُ عملية السلام في تركيا منعطفاً تاريخياً حاسماً يعيدُ رسم الخارطة السياسية والأمنية في المنطقة، ويتجلى هذا التحوّل في الالتزام المطلق الذي أبداه حزب العمال الكردستاني بمسارِ السلام، إذ ترجم الحزب نواياه الإيجابية بخطوات عملية ملموسة شملت إعلاناً رسمياً بحلِّ نفسه، ووقفِ الكفاح المسلح، وإجراءِ مراسمَ رمزية لإحراق الأسلحة ونزعها.
هذه الخطوات الجريئة تعكسُ رغبةً استراتيجية صادقة في الانتقالِ من لغة السلاح إلى أروقة النضال الديمقراطي والسياسي.
في المقابلِ، تتصاعدُ الدعوات الحاشدة والمطالبات الموجهة إلى أنقرة بضرورة القيام بإجراءاتٍ فورية لتسريع تنفيذ بنود العملية وتوفير الضمانات القانونية والدستورية اللازمة لتعزيز بناءِ الثقة.
وتأتي في مقدمةِ هذه المطالب الشعبية والسياسية ضرورةَ إطلاق سراح قائدِ حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وإنهاء عزلته الانفرادية المستمرة في سجن إيمرالي، إذ يرى الشارع الكردي والقوى المؤيدة للسلام أنَّ حرية أوجلان هي الرافعة الأساسية والضمانة الحقيقية لإنجاحِ هذا المسار التاريخي وتفكيك العُقَد القانونية والسياسية المتبقية.
أبعادُ عملية السلام لاتنحصر داخل الحدود التركية، بل تمتدُّ انعكاساتها الاستراتيجية بشكلٍ مباشر على الملف السوري، فتحقيقُ استقرارٍ حقيقي في تركيا من شأنه، وفق مراقبين، أن يسهمَ في تخفيف الضغوط العسكرية في شمال وشرق سوريا، مما يخلقُ مناخاً إقليمياً ملائماً يدفع بقوة نحو تسريع ملف الاندماج والتقارب السياسي بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية.
هذا الترابط الجيوسياسي يعزز من فرص صياغة نموذج حكم ديمقراطي تعددي داخل سوريا، ويقطعُ الطريق أمامَ المشاريع الساعية لتفكيك النسيج المجتمعي، مستنداً إلى مناخ الأخوَّة والوئام الذي يفرضه السلام الكردي التركي.
ويرى مراقبون أن هذه المرحلة تضعُ الجانبين أمامَ مسؤولية تاريخية، فبينما أثبت الطرف الكردي جديته بتقديم تنازلاتٍ جوهرية، يتطلعُ العالم اليوم إلى أنقرة لاتخاذِ خطواتٍ شجاعة تتجاوز المقاربات الأمنية الضيقة نحو مصالحةٍ ديمقراطية شاملة تعيد صياغة مستقبل العيش المشترك في المنطقة برمتها.
