بالكاد تخطئه العين، تقرأ في ملامحه حكاية أرض وذاكرة شعب، سُمرة بشرته تحاكي تراب وطنه، وصلابة جسده تعكس صلابة فكر وإرادة لا تلين. إنه عبد الله أوجلان، قائد حزب العمال الكردستاني، الرجل الذي تجاوزت صورته حدود التنظيم والميدان لتغدو رمزاً للمقاومة، وللتفكير الحر، ولرؤيةٍ فلسفية سياسية متجاوزة للإطار القومي الضيق نحو أفق إنساني أوسع.

لم يكن أوجلان مجرد قائد عسكري يقود ثورة مسلحة، بل مفكّر أممي جمع بين التنظير والعمل، حمل قضايا الشعوب المستضعفة في قلبه، وأعاد صياغة مفاهيم الكفاح والمقاومة في ضوء قيم الحرية والكرامة الإنسانية.
اختار طريق المواجهة حين بدا السلام مستحيلاً، وتحمّل مرارة النفي والسجن والعزلة سنوات طويلة، دون أن يخفت صوته أو تتراجع قناعته… أكثر من ربع قرن خلف القضبان، لم تلن صلابته، بل بلورت رؤيته، لتخرج من زنزانته المعزولة في جزيرة إيمرالي دعوةٌ تاريخية لوقف الكفاح المسلح، والانتقال إلى حل سياسي سلمي للقضية الكردية.

لم تكن هذه الدعوة وليدة لحظة، بل امتدادٌ لمسارٍ طويل من المبادرات التي أطلقها أوجلان منذ مطلع التسعينات. ففي عام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين، أعلن وقفاً لإطلاق النار تجاوباً مع مبادرة رئيس الوزراء التركي تورغوت أوزال، ثم تكررت المحاولات في محادثات أوسلو السرية، وانتهت إلى عملية السلام الكبرى بين ألفين وثلاثة عشر وألفين وخمسة عشر، حين دخل النظام التركي في مفاوضات مباشرة معه، وسط أجواء من التفاؤل الشعبي والسياسي.

شهدت تلك الفترة زيارات متكررة من وفود برلمانية كردية إلى سجنه، للإشراف على عملية السلام. لكن تفجيرات سوروج عام ألفين وخمسة عشر، أعادت عقارب الساعة إلى الوراء، وانفجرت المواجهات من جديد.
مع كل ذلك، لم تخمد روح المبادرة لدى أوجلان، بل واصل إرسال رسائله من سجنه، محذّراً من عسكرة الصراع، ومؤكداً أن حمل السلاح لم يعد وسيلة ناجعة لتحقيق المطالب الكردية، بل صار عبئاً على الحل.

هذه الرسائل الأخيرة لاقت صدى في جبال قنديل، حيث أعلنت قيادات الحزب وقفاً للعمليات العسكرية داخل تركيا، في خطوة فسّرها البعض بأنها نتيجة لتفاهمات خفية، سواء مع أنقرة أو في سياق إقليمي ودولي أوسع.
فاليوم، تبدو تركيا غارقة في أزماتها الداخلية، من تدهور اقتصادي إلى عزلة سياسية نسبية، ما يجعلها أكثر ميلاً لتخفيف التوترات على حدودها مع العراق وسوريا. كما أن المتغيرات الجيوسياسية، بما فيها تطورات الصراع في غزة، وسقوط نظام الأسد في سوريا، والحرب الإسرائيلية الإيرانية، والضغط الأمريكي الأوروبي، تجعل من الضروري إعادة صياغة المواقف، خاصة فيما يتعلق بالقضية الكردية.

اللافت أن المجتمع الدولي، مثل الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، الأمم المتحدة رحب بهذه التطورات، معتبراً أن دعوة أوجلان تمثل تحولاً حقيقياً نحو الحل. وهو ما يعيد طرح القضية الكردية من جديد، لا باعتبارها أزمة أمنية، بل كملف حقوقي وسياسي بحاجة إلى تسوية عادلة.

كان لتأسيس حزب العمال الكردستاني عام ألف وتسعمئة وثمانية وسبعين، نقلة نوعية في النضال الكردي في تركيا، لجهة التأثير ولجهة المرجعية الفكرية.

إن مسيرة الكرد، بما تحمله من ألم ومعاناة وتطلعات، تستحق نهاية تليق بتضحيات شعب ناضل طويلاً من أجل الكرامة. ولا يمكن لأي سلام أن يُبنى إلا على أساس الحوار الصادق، والاعتراف المتبادل، والتخلي عن منطق القوة.
فالتاريخ أثبت مراراً أن لغة السلاح لا تصنع مستقبلاً، وأن لغة السلام وحدها قادرة على صناعة غد مشرق.
