يعدّ التهجير القسري والاستيلاء على الممتلكات الخاصة من أبرز وأخطر الانتهاكات التي تهدد كرامة الإنسان وتزعزع استقرار النسيج الاجتماعي للمجتمعات المحلية. في ظل النزاعات المستمرة والتحولات التي شهدتها مناطق مختلفة من سوريا، ظهرت أساليب جديدة للاعتداء على حقوق السكان الأصليين، سواء من خلال سياسات الإقصاء أو استخدام أدوات اقتصادية وشبه رسمية لتنفيذ ممارسات تنتمي إلى إطار التغيير الديمغرافي القسري.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد تعرض سكان ريف حماة الشمالي للتهجير القسري منذ عدة سنوات بعد سيطرة قوات النظام السوري السابق على قراهم. وقد تم نهب وتدمير ممتلكاتهم، بينما أُسكن بدو من الرقة في منازلهم، واستُولي على أراضيهم الزراعية.
هذه الانتهاكات شملت أكثر من 20 قرية ذات غالبية علوية، تم تهجير سكانها ومنعهم من العودة إليها. من بين هذه القرى: البليل، الزغبة، الطليسية، معان، الفان الوسطاني، الفان القبلي، تلدهب، سباع، البويضة، الرويف، والشيحة، وغيرها.
شهادات المهجرين أظهرت أن شركة تُدعى “اكتفاء للاستثمار الزراعي”، وهي كيان غير رسمي يعمل تحت إشراف اللجنة الاقتصادية التابعة للحكومة السورية الانتقالية، بدأت مؤخراً في توقيع عقود استثمار وتأجير لأراضيهم الزراعية مع أشخاص غرباء عن المنطقة، وذلك لمدة عامين. هذه الإجراءات تمت دون موافقة أصحاب الأراضي الأصليين الذين لم يُسمح لهم بالعودة إلى قراهم أو حتى زيارتها.
وفي جانب آخر، أفاد مدنيون أن منازلهم في مناطق مثل حي الميدان بريف محردة قد تم اقتحامها والاستيلاء عليها من قبل أشخاص من القرى المجاورة، الذين يعملون على تجهيز هذه المنازل للسكن دون أي إذن قانوني من أصحابها.
المهجرون طالبوا بفتح تحقيق عاجل في هذه الانتهاكات، داعين المنظمات الدولية والحقوقية للتدخل الفوري لوقف ما وصفوه بـ”الاستيطان القسري”، وضمان حقهم في العودة إلى قراهم واستعادة ممتلكاتهم.
معلومات حصل المرصد عليها تؤكد أن شركة من محافظة إدلب قامت بالاستحواذ على مساحات واسعة من الأراضي في المنطقة بهدف استثمارها عقارياً، في سياق عملية التغيير الديمغرافي الجارية.
وفي ريف حماة الغربي، تم تهجير سكان قريتي العزيزية وأرزة بشكل كامل، حيث تم إسكان عائلات من بلدة خطاب في منازلهم. كما تم تهجير سكان قرية تسنين ومحيطها في ريف حمص الشمالي، إلى جانب عدة قرى وأحياء في حمص وريف دمشق.
عمليات التهجير شملت أساليب مثل التهديد، الخطف، والقتل، مما أجبر الأهالي على مغادرة مناطقهم بشكل قسري، إلى جانب حملات إعلامية تحرض على استقدام بدو من مناطق أخرى لتوطينهم في مناطق ساحلية وأحياء في حمص بدلاً من السكان الأصليين.
المرصد السوري يعتقد أن هذه العمليات تأتي في إطار مخطط لتغيير الطابع الديمغرافي بشكل واسع النطاق، يتم من خلاله تهجير سكان القرى ذات الأغلبية العلوية وجلب عائلات من مكونات أخرى، خصوصاً من البدو، لتوطينهم في تلك المناطق، بما في ذلك الساحل السوري وبعض أحياء حمص.
إن ما يحدث في ريف حماة، وفي قرى حمص وريف دمشق، ليس مجرد تغييرات سكنية، بل هو استهداف للهوية الثقافية ومحاولة مسح الذاكرة تحت مبررات استثمارية. كما حدث في عفرين وسري كانيه / رأس العين، حيث سُلبت الأرض من أهلها وأُجبروا على العيش في غربتهم بشكل دائم، يتكرر اليوم المشهد ذاته بأدوات وأساليب مختلفة، لكن بهدف واحد هو إعادة تشكيل الإنسان والمكان قسراً.
اليوم، أصبح أصحاب الأرض غرباء عنها، يُطردون منها كما تُنتزع الجذور من التربة. قال أحد المهجرين: “لم نطلب سوى أن نقطف زيتوننا بأيدينا، لا أن يُحصد تعبُنا على أيدي الغرباء.” وقال آخر: “بيتنا ليس حجارة فقط، هو ذاكرة أمي ووصية أبي.
