ومن يتجرأ على أن يخون الفرات والنيل

وما زال ثمة عبيد يتضرعون لله بأن يحتل خليفتهم أردوغان جغرافية المنطقة التي كانت منذ فجر التاريخ منبع الحضارة والمدنية إنسانية، ومهد كافة العلوم والتطور والثورات المجتمعية والتي منها بدأت الكلمة وانتشرت لتكون صداها في الوصف والمعنى والوجود في باقي أطراف المدن المنتشرة حول هذين النهرين الخالدين.

نهران كانا وما زالا يتدفقان بقوة غير آبِهَيْن بما يخططه الآخر من أوهام على رمالهما التي قضت على الكثير ممن فكر في أن يبني مجده على رمال الفرات والنيل. ربما ينظر هؤلاء الجهلة بالتاريخ على أنَّ هذين النهرين لا يمثلان سوى مجريين مائيين مثلمهما مثل أي نهر في العالم، لكن الجهل بالتاريخ والحضارة الإنسانية لا يعني البتة بأنَّ هؤلاء بمقدورهم أن ينعموا بما يتوهمون.
أردوغان ومن يدور في فلكه من الإخوان المسلمين والمرتزقة بكل جنسياتهم ومناطقيتهم يتوهمون بأنه يمكنهم احتلال ضفاف نهري النيل والفرات ويبنون مجدهم المسخ على حساب شعوب هذه الجغرافيا الذين كانوا وما زالوا يقاومون كل محتل وغازٍ حاول أو يحاول أن يجد موطئ قدم فيها. حاول الإسكندر الكبير الإغريقي أن يجربها ويبني امبراطوريته على هذين النهرين ولكنه فشل ولم يستطع أن يرى نتائج حروبه وبناء مجده ومات وهو في بابل التي أصابته بلعنتها. وجاء من بعده الرومان وأرادوا أن ينفذوا ما عجز عنه خَلَفَهم الاسكندر ولكن ما هي إلا سنوات وكانت عاقبتهم غير مختلفة عمَّا حلَّ به.
وجاء من بعد ذلك العثمانيون الذين تقنعوا برداء وعمامة الإسلام ليقتلوا كل من يخالفهم ويقاومهم وبقوا قرونْ عدة ولكن التاريخ قال فيهم كلمته أيضًا ولفظهم ولم تدم خلافتهم تلك رغم كل ما قاموا به من ترهيب وقتل وسرقة، لكن للتاريخ كلمته أيضًا بأنَّ هذه الجغرافيا التي هي منبع نهري النيل والفرات لا يمكن لأي أحد أن يعيش عليها إلا إن كان من أهلها وكأن هذين النهرين يعرف أبناءه الذين كانوا وما زالوا يعيشون ويعتاشون على ضفافه. وكيف أن الله علَّم آدم الأسماء كلها، فكأن الله علَّم هذين النهرين العظيمين أسماء من يعيشون على مائهما ومن هم أهله الذين بنوا حضارتهم على ضفافهما وامتزج عرق جبينهم مع ماء النيل والفرات.

جرب هذا الأمر من جاء من بعد العثمانيون من محتلين غربيين وقسموا المنطقة وحالوا دون أن تجتمع الشعوب مع بعضها البعض وأول أمر قاموا به فصلوا شعبي نهري النيل والفرات عن بعضهم البعض بدويلة مصطنعة وبوعد بلفوري غربي، لكن التاريخ دائما يعلمنا أنه لا يمكن فضل الشعوب والثقافات عن بعضها البعض مهما حاول الإنسان من ذلك.
الحضارة التي بدأت من ضفاف نهري دجلة الفرات والتي أخذت اسمها منهما وتم وصفها بأنها بلاد ما بين النهرين التي كانت وما زالت أرض أجداد الكرد من الهوريين والكاشيين والميتانيين والغوتيين وباقي شعوب المنطقة الذين سكنوا مع بعضهم البعض ألاف السنين وبنوا مدنهم وحضارتهم وتواصلوا مع أشقائهم على ضفاف نهر النيل الذي كانوا وما زالوا منذ فجر التاريخ وحتى الآن هبة النيل الذي لا ينضب كما ثقافتهم ومدنيتهم وحاضرهم.
النيل والفرات ليسوا اسمين يمكن ترديدهما وكأنه شيء لم يكن وكأنه أمرٌ عادي يمكن نطقهما في أي مجلس كان، هكذا يظن جهلة التاريخ والحضارة بل هذين النهرين يمثلان الوجود الإنساني بحد ذاته وبكل ما يحتويه التاريخ من علم وتطور من كافة النواحي العمرانية والفلكية والأدبية والسياسية والدبلوماسية والاقتصاد. أي إنهما نهرين خالدين في وجدان شعبي مصر وبلاد ما بين النهرين ولا يمكن لأي كان أن يفصل هذين الشعبين عن هذين النهرين الذي يعتبر شريان الحياة بالنسبة لهما ولا يمكنهم العيش أساسًا بعيدين عنهما.

لذا، مهما حاول أردوغان ومرتزقته ونحن في القرن الحادي والعشرين في احتلال ضفاف هذين النهرين ثانية كما فعل أجداده، فأنه لن ينجح أبدًا وستسقط كافة أوهامه أمام مقاومة وهدير أبناء نهري الفرات والنيل. ربما تكون حسابات التاريخ مختلفة عن حسابات البشر في عدِّ الأرقام والأعوام لكنه في نفس الوقت تاريخ مخفي في حاضرنا ونحن مخفيين في بداية التاريخ. ومن يتجرأ على أن يخون نهري النيل والفرات ليس إلا أن يكون لقيط هذه الجغرافيا بكل معنى الكلمة وأنه لم يشرب من ماء هذين النهرين الخالدين، اللذين كانا وما زالا عنوان لكل من يبحث عن ذاته ووجوده ونسبه وتاريخه وحاضره ومستقبله. النيل والفرات هو الهوية الذاتية والكلانية الجمعية لأي شعب ومجتمع يسعى نحو السمو والمجد، وغير ذلك لا يمكن وصفه إلا بالانحطاط والجهل ولقطاء التاريخ والجغرافيا مثلهم مثل خليفتهم أردوغان ومن يدور في فلكه.

 

الكاتب: محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد

قد يعجبك ايضا