هفرين خلف.. السياسية الكردية السورية التي قتلت على يد الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي

هي شابةٌ تنحدر من عائلةٍ كردية وطنية تقطن مدينة ديريك/مالكية أقصى شمال شرقي سوريا.

ولدت هفرين لعائلتها بتاريخ الخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1984، لتصبح شابةً يافعةً تقضي سنين عمرها من أجل إحقاق الحرية والإنسانية والسلام للسوريين، من مختلف مشاربهم القومية والدينية والطائفية، إذ طالما آمنت بأن هذا التنوع يعكس غنى سوريا الحضاري والثقافي وأنه إرثها التاريخي المقدس الذي يجب أن يُصان ويصبح موضعَ فخر السوريين.

على هذه القيم والمبادئ ولدت وعاشت هفرين ومن أجلها قضت، كيف لا، وقد ترعرعت في كنف عائلةٍ دافعت عن حقوقها الكردية المسلوبة في ظل حُكم أنظمة البعث القومية لعقود، حتى التحقت ابنتها زوزان ـ الشقيقةُ الكُبرى لهفرين ـ بصفوف النضال الكردي في جبال كردستان، دفاعاً عن حقوق قوميتها المسلوبة.

تفوّقت هفرين في صفوف الدراسة على الدوام بدرجة امتياز، وعلى الدوام كانت مَحطَّ فخرِ أمها بها، أمُّها التي أصبحت هفرين وحيدتها، فحرصت على حمايتها وتنشئتها بعنايةٍ فائقة.

والدة هفرين كانت تَعي أن قرار النضال الذي اتخذته ابنتُها زوزان قد يعني قرارَ الغياب عن عينيها مدى الحياة، فكانت هفرين بالنسبة لها زوزان وهفرين بآن معاً، حالُها حالُ العديد من الأمهات الكرديات في المنطقة، اللاتي قدّمن فلذات أكبادهن للنضال بسبب التضييق والإنكار الحقوقي والوطني للكرد من قبل الأنظمة الحاكمة سواءً في سوريا أو تركيا أو إيران وحتى العراق.

علاقة هفرين بوالدتها كانت قويةً لدرجةٍ لاحظها معلموها طوال فترة دراستها، ومن دون شك أن أمها كانت سراً كبيراً وراء تفوقها حتى وصلت إلى مرحلةِ الثانوية العامة، واختارت الفرعَ العلمي الذي لم يراود مُحيطها وأقرانها شكٌّ بأنها ستحصل فيه على درجةٍ تُخوِّلها لدراسة فرع الطب البشري بالمرحلة الجامعية.

الصدمة في ذلك العام أنه وقبل شهرٍ من تقدمها لامتحان الثانوية العامة استقبلت أسرةُ هفرين نبأ مقتل شقيقتها المناضلة، ما أثّر بشدةٍ على الأسرة، فتوسّلت هفرين والدتها لعدم التقدم للامتحان بحكم أنها تعجز عن التركيز والدراسة وبالتالي فإنها لن تتمكن من تحقيق طموحها.

والدة هفرين رفضت طلب ابنتها وأخبرتها بأن تتقدم للامتحان، وأن تنجحَ فيه مهما كانت النتيجة فهي تعجز أن تشهد رسوباً لابنتها المتفوقة، فتقدمت هفرين للامتحان رغم ظروف الحزن القاسية التي حاوطت روحها، ونجحت فيه، وخوَّلتها درجاتُها لدخول فرع الهندسة المدنية إلا أن هفرين آثرت أن تُعيد الامتحانات في السنة التالية لتحصيل درجات الطب.

في العام التالي رفعت هفرين تحصيلها بخمسٍ وعشرين علامة، لكن شبيبة البعث ووزارة التربية السورية رفضت منحها تلك الدرجات، لأنها تنحدر من عائلةٍ كردية وطنية تناضل من أجل حقوقها القومية فاضطرت هفرين لدراسة الهندسة المدنية، وتخرجت من جامعة حلب السورية بتفوق عام 2009.

عُرفت هفرين خلف باجتهادها، فإضافةً إلى تحصيلها العلمي في الهندسة كانت تجُيد اللغة الإنجليزية فسخَّرت عِلمها ذاك في تعليم أطفال مدينتها بالمجان، وإلى الآن تمتنُّ لها عوائل هؤلاء الأطفال المتتلمذين على يد هفرين، وما الهدايا التي احتفظت بها هفرين لديها حتى النفس الأخير إلا من مُحبيها من الأطفال وعائلاتهم في محيطها.

إنسانةٌ معطاء متفوقة، أحبت الخيَر للغير، ومُشاركةَ النجاح مع الغير، نزلت إلى الميادين والساحات عندما انطلق الحَراك الشعبي في سوريا، وعملت كناشطةٍ في المجتمع المدني رفقةَ ابنة مدينتها وصديقتها سهام داوود من أجل إشراك المرأة في القرار الإداري والمطالبة بحقوق كل المكونات السورية وصون حريتها.

هكذا بدأت هفرين الثورية طريقَها للنضال بعد أن وقع اختيارُها على السلام وسيلةً لإحقاق التغيير في سوريا، وما إن انطلقت ثورة التاسع عشر من تموز في شمال وشرق سوريا، سرعان ما واكبت هفرين تطلعات الثورة واتخذت قرارَ تسخير شهادتها العلمية وجهدها في مؤسسات الإدارة الذاتية التي أعلنتها منطقتُها.

إيماناً منها بضرورة نيل كل المكونات السورية لحقوقها في الدراسة بلغتها الأم، وتمثيل ثقافتها الأصلية ساهمت بتأسيس أكاديمية نوري ديرسمي التعليمية، وما إن بدأت تداعيات الأزمة السورية تُلقي بظلالها على الخدمات من كهرباء ومياه، حتى سارعت هفرين إلى تأسيس هيئة الطاقة بقرارٍ أجمع عليه أقرانها في المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية بالجزيرة في شمال وشرق سوريا.

وفي لقاءٍ سابقٍ لها مع قناتنا أوضحت لنا والدة هفرين أنها بروحها الاجتماعية الإنسانية رفضت أن تشتري مولدةً خاصةً لمنزلها، في الوقت الذي لا يستطيع مَن لا طاقةَ له من جيرانها على شرائها والتمتع بالنور، فأدخلت المولدات الكبيرة إلى المنطقة، وأشرفت هفرين المهندسة على تمديد أسلاكها وإيصالها لأحياء المنطقة.

تداعيات الأزمة السورية لم تتوقف عند الأمور الخدمية بل أثّرت مع استمرارها على الاقتصاد السوري من كل جوانبه، هنا قرَّرت هفرين أن تقي منطقتها شرَّ ما يحدث، فأسَّست هيئةَ الاقتصاد التي من شأنها أن تحافظ على إدارة وتوازن إنتاج وتوزيع مقدرات المنطقة.

هفرين الإنسانة التي آمنت بالسلام والحوار طريقاً لحل الأزمة السورية منذ اندلاعها، تطلَّعت بكل أملٍ وتفاؤلٍ إلى الانتصارات التي حققتها قوات سوريا الديمقراطية في مناطق شمال وشرق سوريا، التي شهدت سيطرةَ تنظيم داعش الإرهابي عليها، وبدأت تلتقي المكونات السورية المختلفة وتبني جسورَ العلاقات معهم فحازت على محبتهم كالمحبة التي بادلتها إياهم.

مع اتساع نطاق الإدارة الذاتية وإيمان مجتمعها بقيم الأمة الديمقراطية والتعايش المشترك، راودت هفرين فكرة تشكيل قوةٍ سياسيةٍ يلتف حولها كلُّ السوريين وتهدف لحل الأزمة من خلال الحوار السوري ـ السوري.

تأسيس حزب سوريا المستقبل برايته الذي يحمل شارة الياسمين الأبيض رمزاً للسلام متوسطةً الخارطة السورية تعبيراً عن سوريا، تقف على مسافةٍ واحدةٍ من كافة المكونات والأطياف والقوميات والمذاهب، هو القوة السياسية التي سعت هفرين إلى تشكيلها مع السوريين، من أجل تقرير مصيرهم في مارس آذار من عام 2018.

هفرين خلف المرأة الكردية السياسة التي قطعت أشواطاً في الحلم السوري المُرتقَب من أجل بناء سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية، رفضت كل أشكال الاحتلال في نهج المشروع السياسي الذي رسمته مع حزب سوريا المستقبل، ومنذ أن انتُخبت أميناً عاماً للحزب أصبحت هفرين هدفاً لطغيان الاحتلال التركي وإرهابييه.

في تشرين الأول أكتوبر من عام 2019 عندما بدأ عدوان النظام التركي والفصائل الإرهابية التابعة له على مناطق شمال وشرق سوريا الممتدة بين رأس العين/سريه كانيه وتل أبيض/كري سبي، تم التخطيط بتواطؤٍ دوليٍّ لاغتيال الأمين العام لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف، التي بقيت تُتابع عملَها بين مكان إقامتها في ديريك/ مالكية والرقة حيث مقر الحزب.

بتاريخ الثاني عشر من تشرين الأول أكتوبر من عام 2019 وفي الوقت الذي من المفترض أن قواعد التحالف الدولي تحمي طريق إم فور، الذي يصل بين قامشلي وحلب، قرَّرت هفرين أن تتوجه إلى الرقة للوقوف على رأس بعض الأعمال، لكنها كما باقي أهالي شمال وشرق سوريا لم تُدرك أن الولايات المتحدة قررت سحب قواتها بشكلٍ مفاجئٍ دون سابق إنذار، وأن طريق إم فور لم يعد آمناً.

على الطريق اصطدمت سيارةُ هفرين بحاجزٍ لفصيل أحرار الشرقية الإرهابي التابع للاحتلال التركي، ورغم أن هفرين عرّفت بنفسها كسياسيةٍ وأمينٍ عامٍّ لحزب سوريا المستقبل، كما سمعتها صديقتها التي كانت تحدثها من الرقة على الهاتف، إلا أن هفرين اقتيدت خارج سيارتها مع السائق، واغتِيلت في جريمةٍ وحشيةٍ مُصورةٍ موثقةٍ من قبل المجرمين أنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

أمها التي استقبلت النبأ كالصاعقة، لا يفارق مخيلتها كيف لم تَخُنْ ولا رصاصةٌ واحدةٌ أُطلِقَت من سلاح الإرهابيين جسدَ ابنتها، التي ودعتها عند خروجها بهيةَ المُحيَّا كعادتها، جميلةَ الطلعة والابتسامة، باعثةً للأمل على الدوام.

لا يفارق مخيلةَ الأم مَظهرُ أصابع هفرين الناعمة، التي لم تحمل سوى القلم، وهي مُهشمةٌ بوحشية، هذه الأم لم تُصدق كما حال أقرانها الذين شهدوا التخطيطَ لاستهدافها مراراً، أن تلك لم تكن جريمةً مُدبرةً مُخطَّطاً لها من قبل الاحتلال التركي.

بعد مرورِ أربع أعوامٍ على اغتيالها، سعى ويسعى حزب سوريا المستقبل من خلال المواظبة على برنامجه السياسي الذي وضعت هفرين أُسسه إلى إحقاق العدالة لهفرين، ومن أجل ذلك انتَخب الحزب صديقتها في النضال سهام داوود، لتواصل الطريق الذي بدأته هفرين وتستلمَ الأمانة العامة لحزب سوريا المستقبل.

قدّم الحزبُ ملف هفرين لمحكمتين دوليتين هما محكمتا العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، إلا أنها لم تتوصل لنتيجةٍ إلى الآن، رغم أن جريمة اغتيال السياسية الكردية هفرين هزَّت العالم، واعترفت بها أصواتٌ سياسيةٌ فردية من الدول الكبرى، وتمثيلياتٌ سياسيةٌ صُغرى في دول العالم، تمكنت من تخليد اسمها في مناطقها بإطلاقه على مرافقَ عامةٍ تكريماً لنضالات هفرين التي عجز المجتمعُ الدولي عن إنصافها.