نوستالجيا شعارات الشعوب

البلاد مُجزأة وكل نوستالجيا الشعوب وشعاراتها تطايرت كذرات غبار هشة في فلك التاريخ. والدليل هو الواقع.

لعل حماس كانت تراهن على القدس والضفة في تصعيد مُحتمل خلال شهر رمضان على غرار ما كان يحدث في السنوات الأخيرة، حين كان حي الشيخ جراح واقتحامات المستوطنين، شرارات كفيلة لتصعيد أمني كبير وفتيل صراع مُحتدم عنيف كان يمتد لأسابيع طويلة.

احتمال تصعيد القدس والضفة ربما كان الورقة الأخيرة التي تراهن عليها حماس لتأجيج الوضع، وزيادة الضغط على إسرائيل، وتخفيف الضربات عن غزة، وإشغال تركيز الجيش الإسرائيلي في عدة محاور ما قد يؤجل أو يلغي العملية العسكرية في رفح.

لكن، يبدو أن المواطن في القدس والضفة متداعٍ نفسيا وجسديا واقتصاديا وهيكليا، وظروفه قاسية، وواقعه هش ومُكبل، ويعجز عن إسعاف نفسه وانتشال المشهد.

فبعد كل الاعتقالات المستمرة منذ حوالي 6 أشهر، وكل التنكيل في البنية التحتية وأزقة المحافظات والقرى والمسلمات الفلسطينية، وبعد إحكام الجيش الإسرائيلي قبضته على منافذ رئيسية وفرعية في مختلف المناطق، ومنع العمال الفلسطينيين من العودة إلى عملهم في إسرائيل طيلة ستة أشهر، وغياب أموال رواتب موظفي الضفة الغربية وانهيار الحكومة الفلسطينية التي تحاول بكل يأس وبؤس لفظ أنفاسها الأخيرة..

كل ذلك لم يكن كافيا لإشعال أي ثورات حتى الآن.

كل المشاهد القاسية على مدار الأشهر الأخيرة لم تعد سببا مقنعا لإشعال شرارة حقيقية في وجدان إنسان لنجدة إنسان آخر.

لا أؤيد ولا أستنكر.. إنها فقط محاولة لقراءة المشهد. فالإنسان في فلسطين أو في أي مكان آخر بتجاربه يشكل أيضا انعكاسا ونموذجا للتغييرات التي طرأت على الإنسان المعاصر بردود فعله وقراراته.

بمعنى، نفكر ونسأل: هل الإنسان المعاصر اليوم يريد أن يراهن على ما تبقى من بقايا حياة لديه ويُعيد سيناريو غزة في واقعه مثلا؟
هل الإنسان في عصر الدول الرأسمالية المادية المتطرفة، في عصر الانفتاح التكنولوجي والتطور الرقمي الذكي والماديات المتلألئة المبهرة، وكل التغيرات النفسية والاجتماعية والهيكلية والإيمانية والفكرية التي طرأت عليه خلال الثلاثين عاما الماضية، هل ما زال يريد إحياء نوستالجيا شعاراته، أم يريد أن يحيا فقط؟

هل ما زال الإنسان المُعاصر يؤمن بكل الشعارات والأدبيات أم أن هذا النظام العالمي الجديد القائم على الفجوات المتعاظمة بين جماعات مستفيدة وغالبية عُظمى مسحوقة تُقدم كقرابين جعل المرء يكفر بكل ما آمن به سابقا؟

لذا، هل المرء مُستعد لخسارة الأنفاس الأخيرة له وبقايا الأمل في حاضره أو مستقبله المشوش لأجل إنسان آخر؟

إلى الآن الواقع يقول لا.

يبدو أن تعاضد الإنسان المعاصر مع الآخر لا يتعدى كلمات وشعارات على مواقع التواصل الاجتماعي ومحاولات صغيرة بائسة هنا وهناك، لكن على أرض الواقع لا أثر حقيقيا لها على وحش عجلة النظام العالمي.

لكن في المجمل يمكن قراءة المشهد حتى الآن كالتالي:

لا أحد يملك من القوة والعزم والأنفاس في هذا العالم أجمع لنجدة جاره، فكلّ يحاول النجاة بنفسه من أنياب وضع أمني وسياسي واجتماعي ونفسي وعاطفي متداعٍ ومترهل، من أنظمة لا تسعفه، من عالم لا يعير أي اهتمام لبعضه.. لأن الإنسان في الاختبار الأخير لعله أدرك أن الإنسان، كل الإنسان، في أي مكان سُيترك لوحده في العراء يلاطم، يعارك ويحاول النجاة.. لا يدَ عوْنٍ ستُمد له.

ستتم استباحة حزنه، ألمه، معاناته، مأساته وأشلائه بالعدسات أمام الجماهير دون أي احترام لإنسانيته وقداسة روحه.

إن حدود الإذلال التي قد يتعرض لها الإنسان في هذا العالم في أي مكان باتت غير متوقعة.

والأساليب التي قد يُقتل بها في أي مكان من هذا العالم، متنوعة وخطيرة ولا تخطر على البال.. سواء بصواريخ أو رصاص أو بمجاعات. ومنها أساليب هزلية بشكل مقزز عبر مساعدات غذائية تقع من السماء.

الإنسان أدرك أن لا احترام لمؤسسات حقوقية ولا لهيكلية دول أو قوانين إنسانية أو دساتير. لا احترام لوعي إنسان، أو أحلام أطفال، أو حُرمة منازل.

أفراد يتحكمون في مصير أجيال كاملة.. أفراد يأخذون قرارات مصيرية سواء بفعل أو ردود فعل لتغير مسار شعوب كاملة دون اكتراث لوجودها.

مجرد أفراد من أحزاب أو منظمات أو حكومات قادرون على إحداث تغيير جذري لحاضر الإنسان وإلغاء كامل لمستقبله.

إذا، وسط هذا المشهد القاتم الخالي من أي قيم أخلاقية وإنسانية وحضارية، غالبا الإنسان سيفكر كثيرا وطويلا قبل نجدة إنسان آخر.

على أي حال، ربما يتغير المشهد، وربما الأيام القادمة ستسرد سردا آخرا، وربما تكون للإنسان رواية أخرى.. لا أحد يعلم.

الكاتبة : ربى عياش

المصدر :  العرب

قد يعجبك ايضا