نحو عالم تسوده أخوة الشعوب والإنسانية

كثيرة هي القضايا التي تواجه البشرية اليوم بشكل لم يعد للكثير من إدراك ما يُدار حولنا من مداخلات إقليمية ودولية تساعد بشكل أو بآخر على انتشار الفوضى التي باتت عنوانًا لكل باحث أو دارس لمعرفة إلى أين نحن متجهين في خضم الأحداث الجسام التي تضرب البلدان عمومًا والمجتمعات على وجه الخصوص.

قضايا ومشاكل باتت جزءًا رئيسيًا من متابعاتنا اليومية لما يدور والكل ينتظر الحل علَّنا نخرج من عنق زجاجة الفوضى بكل معانيها. صراعات ومعارك أثنية ومذهبية طائفية وقوموية وبالتالي هويات قاتلة تنخر في جسم المجتمع مثل دود الشجر الذي يقضي عليها من الداخل في وقت يبحث فيه الكل عن حلول خارجية.
عقود مرت والمنطقة لم تسترح من حال الحروب الداخلية والخارجية المنتشرة في كل مكان تقريبًا. وفيها الكل يقتل الكل من أجل رفع حالة الهوية التي يقتنع بها على أنها هي الأفضل والحقيقية وما دونها ليست سوى هويات ثانوية. حالة الاغتراب الفكري الذي نعيشه منذ عقود أوصلت شعوب المنطقة لتتحول لبيادق وبنادق تتقاتل فيما بينها تارة باسم الطائفة والمذهب والدين وتارة أخرى باسم القومية والاثنية. لكل منها مشاريعها
الخاصة والضيقة والتي تسعى بكل ما لديها لتطبيقها على أرض الواقع ولكن بعيدًا عن حقيقة الجغرافيا والتاريخ.

منذ آلاف السنين وشعوب المنطقة من عرب وكرد وآشور وأرمن وكلدان من جهة، ومسلمين ومسيحيين، سنَّة
وشيعة علويين وإيزديين وزيديين واسماعيليين وغيرهم الكثير من قطع الفسيفساء التي تمثل حقيقة مجتمعات وشعوب المنطقة. آلاف السنين وهذه الشعوب تعيش مع بعضها البعض في مجتمعات مكملين لبعضهم البعض وشعارهم “الكل مع، ومن أجل الكل”، وهذا الشعار كان الهوية الجامعة لكل شعوب المنطقة. ومن خلال هذه الشعوب كانت منطقتنا مهد الحضارة البشرية وأغنت العالم بعلومها وفنونها وثقافاتها المتنوعة، وكانت فلسفة العيش المشترك هي الوعي والإدراك الجمعي للجميع في مقارعة الطبيعة لتذليلها ووضعها في خدمتهم.

قرون عدة والمنطقة تعيش مرحلة الركود منذ الاحتلال العثماني الذي استمر قرابة الخمسة قرون وبعدها كانت الحربين العالميتين الأولى والثانية التي أكلمت نشر غبار الجهل والتخلف على المنطقة، وذلك من خلال بعض الجماعات التي ظهرت في بدايات القرن العشرين والتي أطلقت على نفسها تسميات قومية ودينية متعصبة ومنزوية على نفسها ووصلت لمرحلة إقصاء الآخر الذي كان لآلاف السنين جزءًا منها. من هنا كانت المأساة التي ما زلنا نعيشها الآن بشكل مكثف وعنفي بظهور جماعات متطرفة هدفها فقط تكفير الآخر إن كان حتى وإن كان مسلمًا. فبنظر هذه الجماعات الكل كافر ومن الخوارج والذي يجب قتله لرفع اسم الله عاليًا.

يرفعون راية الدين وباسم الله يقتلون، والله منهم بريء وحتى الإنسانية منهم بريئة ومن جرائمهم وأفعالهم التي ارتكبوها بحق الشعوب إن كان في العراق وسوريا وليبيا واليمن وأرمينيا. لم يفلت أحد من جرائمهم البشعة والتي تندى الإنسانية لأفعالهم. فما فعلوه بالإيزيديين في شنكال/ سنجار ما زال أمام أنظارنا وكذلك ما فعلته مرتزقة أردوغان في الشمال السوري باحتلالها عفرين وسري كانية/رأس العين وكري سبي/ تل أبيض من تهجير لسكانها وحرق بيوتهم وقتل من تبقى فيها واغتصاب وسرقة كل ما تصله أيديهم. وما حصل في ليبيا واليمن وأرمينيا لا يقل بشاعة عما حصل في الشمال العراقي والسوري.

إننا أمام ظاهرة انتشار الشوفينية والفاشية الطورانية بشكل معاصر، والتي راحت تعيث فسادًا في المنطقة بهدف استرجاع الماضي بلبوس معاصر أي عثمنة المنطقة من جديد، وفي الطرف المقابل نواجه مشروعًا صفويًا لا يقل خطورة عن المشروع العثماني والذي يسعى للهيمنة على المنطقة واسترجاع الماضي أيضًا بشكل مهاصر. وبغياب مشروع مناهض لهذين المشروعين كان الفراغ هو الذي استغلته تلك الأطراف. وللتصدي لذلك لا خيار أمامنا سوى السير على نهج سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما تصدى لنمرود في أول محاولة له بتحطيم الأصنام التي كانوا يتعبدونها. تلك الأصنام التي حطمها سيدنا إبراهيم لا تختلف كثيرًا عن الأصنام التي نراها اليوم أمامنا. وحدانية الإله على نهج سيدنا إبراهيم هي الخطوة الأولى للتوجه نحو إعلان وحدانية الله الذي هو بنفس الوقت يمثل القيم التي تسير عليها الإنسانية.

العدل والرحمة والمحبة، ثلاثة كلمات خفيفتان على اللسان وثقيلتان في العرف والميثاق الإنساني والتي من خلالها فقط يمكن للشعوب أن تتعايش مع بعضها البعض وكذلك الثقافات، بعيدًا عن الأغلبية والاقصائية مثل نحن “خير أمة” أو نحن “شعب الله المختار”، فلا هذا ولا ذاك فأكرمنا عند الله هو اتقانا لبعضه البعض.

التنافس الفكري لا يمكن العيش من دونه لأنه السبب في التطور الإنساني والتقني وهذا التنافس الذي يكون من أجل مصلحة المجتمعات وغايتها. ولذلك ينبغي الابتعاد عن حالات الاحتراب لإنهاء الآخر والوصول لمرحلة من الفكر أنه لولا الآخر لما كنت موجودًا. وليكن شعارنا “أنت موجود فأنا موجود”. بهذه الفلسفة والتي اعتقد أن وثيقة الأخوة الإنسانية تقوم عليها والتي تمنع الحروب ما بين الأديان والقوميات مهما كانت
الأسباب.
مكننا تعداد عناوين أخرى وتوسيعها أكثر، المهم هو أن تحقيق ذلك مرتبط بتطبيق أخوة الشعوب أو
الأخوة الإنسانية اعتمادًا على وحدة المجتمع الأخلاقي والسياسي. ولا يمكن الحديث عن تحقيق ذلك بدون اعتماد جميع البنى الاجتماعية سواءً أكانت صغيرة أم كبيرة على وحدة المجتمع الأخلاقي والسياسي كمًا ونوعًا. ان الأخوة الانسانية التي لا تعتمد على المجتمع الأخلاقي والسياسي لا يمكنها مقاومة وتصدي هجمات التيارات الرجعية الفكر، إما أنها ستخدمها بأسوأ الأشكال أو ستكون محكومة بالفناء. أن المجتمع الأخلاقي والسياسي الذي يعبر عن نفسه كمجتمعية قادرة على تعيين قوانينها وتنفيذه، هو السبيل الوحيد لتحقيق ذاته وفرض سيادة الحضارة الإنسانية. يمكن بناء المجتمع الأخلاقي والسياسي من خلال تلبية جميع الوحدات التي تشكل الأخوة الإنسانية مهامها الفكرية والأخلاقية والسياسية.

يمكننا تعريف أخوة الشعوب والأخوة الإنسانية على أنها أخلاقية وسياسية عندما تحدد وحداتها كل ما
يتعلق بحياتها من قوانين وتنفذه. وستضمن كل وحدة غنى الأمة بنقل خصائصها الذاتية وثقافتها إلى الأخوة الإنسانية الجديدة، ولن يكون لوجود مفهوم أحادي النمط أو هيمنة طبقة أو معتقد أو أثنية على أخرى في المجتمع ضمن الأخوة الإنسانية.

إعادة إعداد وبناء المجتمع وفق أسس علمية، مع توفير التدريب اللازم ضمن مؤسسات علمية، فلسفية،
فنية، دينية وتأمين متطلبات ومستلزمات ذلك من معاهد ومدارس وجامعات. مع إيلاء كل الأهمية اللازمة للأبعاد التاريخية والاجتماعية وخلق انطباعات بأن الحاضر هو الحيز الوحيد والمجال الذي يتشكل فيه الوعي بالمستقبل وإدراك ما يمكن تصوره من معالم وفق هذه الذهنية وما سيتم توفره من وعي مشترك بالثقافة الاجتماعية التي يحددها العصر الذي نعيشه.

بناء المجتمع الديمقراطي الذي يؤمن بوجود الآخر مهما كان مختلفًا هو أساس الأخوة الإنسانية وأخوة الشعوب والتي تقوم وفق العيش المشترك فيما بين الثقافات المختلفة. وقامة مؤسسات توعوية تنشر هذه الأفكار يمكن عدَّها أهم وظيفة تقع على عاتق القائمين على هذا العل والنشاط القيم. وبكل تأكيد أنه يلزمنا ثورة ذهنية تقضي أو تنفض غبار الجهل الذي علق بذهنيتنا جرّاء المعلومات المغلوطة التي تشربنا بها عل مدى عقود.

الكاتب: محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد

قد يعجبك ايضا