موظف بدرجة رئيس

سجالات ما زالت مستمرة ما بين الخصوم والفرقاء وبين الأخوة في أحقية الاستمرارية للرئيس المهزوم ترامب أم أنه ينبغي تسليم مفاتيح البيت الأبيض للرئيس المنتخب عبر صناديق الاقتراع والانتخابات التي جرت مؤخرًا في أمريكا المهيمنة على العالم.

المضحك المبكي في هذه السجالات والنقاشات أن لكل فريق حججه وتصوراته التي يعتقد بها على أنها الحقيقة الأمريكية التي يحكمها حزبين فقط، وأن عمليات التناوب على الحكم فيها يتم بالتناوب تسم مقاليد الحكم للحزب الآخر بعد دورة رئاسية واحدة أو بعد انتهاء الدولة الثانية، وهذا بالفعل ما هو موجود ويراه العالم أجمع بأم أعينهم خلال الانتخابات الدورية هنا.
طبعًا، هذا السجال المنتشر دعك من المهتمين بالشأن السياسي أو مراكز الدراسات والمحللين وما أكثرهم، بل بات الإنسان العادي في مشرقنا يتكلم في لمن الأحقية في أن يكون رئيس أمريكا هل هو الفيل الجمهوري أم الحمار الديمقراطي، بغض النظر عن اسم المرشح بكل تأكيد، والمؤكد أيضًا أن هذا الاهتمام من الشعب في مشرقنا بنتائج الانتخابات الأمريكية لأنه يعلم بأنها تهمه كثيرًا وسوف تؤثر عليه بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال السياسات التي سيم اتباعها على دول المنطقة.

السجال بحدِ ذاته يعتبر عملية إيجابية وهو سبب تطور الفكر والوعي عند الانسان لمعرفة الحقيقة البعيدة عنّا آلاف الكيلومترات، لكن بنفس الوقت لا نرى هذا السجال بين شعوبنا في جميع الانتخابات التي تجري في دول مشرقنا بكل أنواعها إن كانت رئاسية أو برلمانية.

وحتى أنه لا يتم بناء الآمال عليها ولا البرامج ولا السياسات، لأنه الشعب يدرك يقينًا أن هذه الانتخابات ما هي إلا عن استمرارية الفساد والسرقة وإخضاع الشعوب للقهر والظلم والجوع والحرمان، فنظرة واحدة للخلف لقراءة أية انتخابات تمت في دول مشرقنا، لا توليها أي اهتمام يذكر، لأننا نعرف من هو الفائز إن كانت انتخابات برلمانية قبل حتى البدء بعملية الانتخابات، وهذا ليس سرًا على أحد بكل تأكيد.

لأن الكل يعلم أنه من يحدد الفائز في النهاية ليست صناديق الاقتراع بقدر ما هي الغرف المظلمة لدوائر الأمن وما يدور فيها من بازرات سياسية وربحية على حساب المواطن والقوانين التي سيتم سنَّها، وكذلك يعلم أنه في أية انتخابات رئاسية يعلم جيدًا أنه ليس هناك منافس للرئيس ولا يوجد لدينا حياة سياسية ولا أحزاب سياسية حقيقة تهتم بنشر ثقافة السياسة في المجتمع، بقدر اهتمام تلك الأحزاب بمصالحها الحزبية الضيقة أيضًا على حساب الشعوب.

لذلك نهتم بالانتخابات الأمريكية كثيرًا لأنها على الأقل تجعلنا نعيش الحسرة والأمل بنفس الوقت، الحسرة لأن ما نراه عندهم من عمليات انتخابات وتنافس على الأصوات، غير موجود عندنا بتاتًا، وأمل بنفس الوقت أن نعيش مثل تلك الانتخابات عندنا في يوم من الأيام، بعد عمر طويل طبعًا.

بكل الأحوال وما اعتقده أن ما يحدث في أمريكا وما يحدث عندنا لا يختلفان عن بعضهما كثيرًا لأن النتيجة محسومة سلفًا إن كان عندنا أو عندهم فالأمر سيَّان وعلينا ألا نحسد الأمريكان كثيرًا لأنه كِلانا في الهوى سوا. وإن كان من يحدد الفائز عندنا هي الغرف المظلمة للدوائر الأمنية، فبكل تأكيد أن من يحدد الفائز عندهم هي أيضًا الغرف المظلمة ولكن للشركات العابرة للقوميات والحدود التي يمتلكها عدد من العائلات التي تسيطر عليها، فلا فرق بين الغرفتين إلا بالتقوى وبعض الأمور الشكلية التي نمنّي بها أنفسنا لا أكثر.

فحتى الرئيس الأمريكي ليس صاحب صلاحيات كثيرة كما نظن ونعتقد أنه بمقدوره عمل ما يريد، بل هو مجبر على تنفيذ ما وعد به الشركات الكبرى المهيمنة وكذلك تلك العائلات المعروفة التي تسيطر على بنوك واقتصاديات العالم.

فحتى الرئيس الأمريكي إن كان يحمل لواء الفيل الجمهوري أو علم الحمار الديمقراطي، فلا فرق بينهما إن وصلا للبيت الأبيض، لأنهما سينفذان التوجيهات والتعليمات التي وعدهم بها بتنفيذها خلال فترة رئاسيته. أي أن الرئيس الأمريكي هو نفس “يللي عندنا”، موظف بدرجة رئيس. لكن الدرجة هنا تختلف فقط ما بين الذي عندنا وعندهم.

عندهم يمكن وصفه بموظف بدرجة رئيس في البيت “العرش” الأبيض العالمي، بينما الذي عندنا ما هو إلا موظف “كاهن” من الدرجة الثانية عند ذاك الموظف “ظل الله” في “العرش” البيت الأبيض ومهمة “يللي عندنا”، هو دفع الجزية للذي هناك من أجل الحفاظ على سلطته واستمراريتها وحمايتها لهم.

حالة من لوحة كاريكاتورية ومأساوية نعيشها في ظل ما نراه من حالة من التردي وصلنا إليها بأن ندفع الجزية لأمريكا كي تحمينا وتحفظ استمراريتنا من العدو الافتراضي “إبليس – الشيطان” التي خلقته هي لترهبنا به والتلويح به باستمرار حينما نتردد بدفع الجزية.

الكاتب: محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد

قد يعجبك ايضا