من وعد بلفور نحو وعد إبراهيم

قرنٌ وثلاثة أعوام مرَّ على ما سمّي وعد بلفور الذي منح اليهود دولة في فلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى والتي كانت فيها المنطقة تعيش حالة من الحرب ضد العثمانيين. مراسلات كثيرة منها المعلن والآخر الذي ما زال طي الكتمان كانت ما بين فيصل ومكماهون لإقامة دولة عربية كبرى مقابل اشعال الحرب على العثمانيين والدخول تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي. ولولا السيد سازانوف الروسي وانتصار البلشفية في روسيا لما عرف العرب أي شيء عن اتفاقية سازانوف-سايكس-بيكو، إلا أنه بذاك الانتصار وانسحاب روسيا من هذه الاتفاقية ونشرها في جريدة البرافدا الروسية آنذاك، تم فضح الاتفاقية. ورغم امتعاض العرب منها إلا أنّهم لم يستطيعوا عمل شيء سوى القبول بنتائجها كرمىً وطمعًا بالسلطة على حساب تقسيم المنطقة إلى دول عدة متصارعة مع بعضها البعض.

وعد بلفور أو تصريح بلفور (Balfour Declaration) هي الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 الى اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد حكومة بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد صدرت بعد اتفاقية الامير فيصل ممثل ملك الحجاز مع حاييم وايزمان الصهيوني وأول رئيس لدولة اسرائيل التي وقعت سنة 1915، وتم اعتمادها في اتفاقية باريس سنة 1919 لتطبيق وعد بلفور.

وكان نص الاتفاقية كما يلي:

وزارة الخارجية

في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جدًا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

“إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”.

وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علمًا بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جيمس بلفور

انتهى بذلك نص الاتفاقية التي كانت من نتائجها تشكيل دولة يهودية في فلسطين في مايو/أيار 1948 على حساب الشعب الفلسطيني. هذه الاتفاقية التي لم تنفذ كما هو مطلوب وفقها إلا ما هم أرادوا تنفيذه فقط قافزين على بعض بنودها وخاصة احترام الحقوق السياسية والمدنية والدينية لغير اليهود، وهذا ما لم يرَه أحد حتى الآن.

وعليه كان الصراع الإسرائيلي – العربي والإسرائيلي – الفلسطيني المستمر حتى راهننا والذي حول المنطقة إلى حالة من الحرب من كافة النواحي. حيث كان اقتصاد الدول العربية هو اقتصاد حرب وهذا ما كان ينطبق على النواحي الأخرى أيضًا وخاصة السياسية والثقافية والاجتماعية والتعليمية وكل شيء كان مُعَد لتحرير فلسطين. أي أن المنطقة برمتها كانت تعيش حالة اللاحرب واللاسلم بنفس الوقت لمدة أكثر من ستة عقود من الزمن. ورغم أنه كانت هناك الكثير من القضايا والمشاكل التي تعانيها المنطقة إلا أنه تم تعليق جميعها وعدم التفكير بإيجاد الحل لها، حتى يتم حل القضية الرئيسية وهي قضية فلسطين.

ونحن في نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة لا القضية الفلسطينية تم حلها ولا تلك المشاكل المعلقة أيضًا تم حلها. وكان من نتائج تعليق المشاكل كل هذه الفترة هو ما نعيشه الآن من أزمات تضرب معظم دول المنطقة تحت مسمى ثورات الربيع العربي، والتي حولت المنطقة إلى خراب ودمار وأطلال وأشباه مدن ودول وشعوب مهجرة وزعماء دمى لا حول لهم ولا قوة في مرحلة الضعف والوهن التي تعيشها المنطقة وحالات الاقتتال والحروب فيما بين دولها وانقسامها فيما بينها إلى جبهتين وفق مصالحها، وفي النتيجة الكل يقتل الكل لحساب المايسترو الغربي الذي يضبط إيقاع الصراع بكل دهاء ما بين الأطراف المتصارعة.

ومن أولى نتائج هذا الصراع تحول المنطقة التي كانت يومًا ما مهد الحضارة والمدنية والعلوم، إلى ما يشبه المقبرة لتاريخها وحضارتها وقيمها الإنسانية والأخلاقية على حساب السلطة والمال والخنوع. وأولى الثمار كانت اتفاقية القرن الحادي والعشرين والتي سميت باتفاقية ابراهيم ما بين الامارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة ثانية برعاية أمريكية ترامبية بامتياز والتي سيستغلها انتخابيًا بكل معنى الكلمة. وبكل تأكيد ثمة دول عربية أخرى تتحين دورها لاعلان سلامها مع إسرائيل، وما هي إلا مسألة وقت لا أكثر.

وسم الاتفاقية بـ”اتفاقية إبراهيم” بكل تأكيد له معنى ومغزى تاريخي ونفسي. وربما ما قيل بشأنه أن سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء ويمثل الدين بفروعه الثلاث (اليهودية-المسيحية-الاسلامية)، يحمل بعضًا من الحقيقة حسب اعتقادي وليس كلها. بل على ما اعتقد أن المغزى أو الرمزية أكبر من اتفاقية بعض الدول العربية مع إسرائيل، لأن اليهود يعتبرون خط سير سيدنا إبراهيم هو ملكهم ودولتهم المنشودة والتي تبدأ من مدنية أورفا مسقط سيدنا إبراهيم حتى وصوله لمكة مرورا بالقدس وسيناء، أي من الفرات إلى النيل.

وربما تكون المرحلة الأولى من اتفاقيات بعض الدول العربية مع إسرائيل تسير بسلاسة ومرونة وتبقى المرحلة الأصعب في الشمال حيث مدينة أورفا الواقعة على الحدود التركية – السورية. حيث يعمل اليهود وبدعم تركي على شراء أراض كثيرة في هذه المدينة وخاصة على نهر الفرات وسهل حرَّان منذ فترة ليست بالقصيرة، على غرار ما فعله اليهود في فلسطين وشرائهم اراضٍ من الفلسطينيين بدعم من العثمانيين ومن بعدهم البريطانيين. أي كيف أن العثمانيين ساعدوا اليهود على استيطانهم في فلسطين قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى، يعمل الان أردوغان الخليفة والسلطان العثماني في الحرب العالمية الثالثة على دعم ومساعدة اليهود لتمكينهم في أورفا وسهول حران. وما احتلاله لعفرين وجرابلس والباب والراعي إلا لهذا السبب، وإن لم يعلن إلا أن صمت وتخاذل الروس والامريكان عن هذا الاحتلال له معناه ومغزاه المخفي. وسنترك هذا الأمر للتاريخ والزمن علَّه يكشف عن الكثير من الخفايا والأسرار ومدى علاقة تركيا أردوغان بهذا المشروع

الكاتب:محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد 

قد يعجبك ايضا