من ربهم؟ من رباهم؟!

يعلم الله كم مرّ عليّ ممّا يدمي القلب من فيديوهاتٍ وصورٍ منذ ابتلاني الله بحب مهنة المتاعب وأكثر المعذبين فيها هم منتسبو الصحافة المتلفزة وبخاصة الأخبار. ما زلت أذكر أول صدمة في حياتي المهنية: كانت صور الرضع الذين ذبحهم الإرهابيون فيما يعرف بالعشرية السوداء في الجزائر (بلد المليون ونصف المليون شهيد). بكيت وأجهشت بالبكاء في وسط قاعة الأخبار. كان المشهد محرجا في البداية لكنه سرعان ما تحوّل إلى تعاطف. رحم الله عميدة قسم الإخراج الإخباري في التلفزيون الأردني المرحومة شويكار نور جنبلاط التي سارعت إلى تعزيتي بالقول: هكذا كان حالنا في بداية الخدمة..
صدقت صاحبة الفضل لروحها السلام، ولم تكن لتعلم يومها أننا سنعيش لنصدم بما هو أدهى وأمرّ. ما زالت فظائع داعش وغيرها من تنظيمات الشيطان تثقل الذاكرة بالأحزان الدامية. لكننا في كل مرّةٍ كنا نعزي أنفسنا بالقول، إنّها الحرب فكل الحروب قذرة ولا سيما الإرهاب توحشا وانحطاطا.
لكني ما زالت أحار في تفاصيل ومشاهد وصور الإرهاب الداخلي “المجتمعي” وهو الإرهاب الأصلي في نظري. هو جذر الإرهاب الكامن في النفس البشرية أينما كانت. فلا مبررات ولا أعذار لجرائم يهتز لها كما يقال “عرش الرحمن من فوق سابع سماء”.
لن أخوض بالتفاصيل وسأكتفي بالإشارة إلى سلسلة من الجرائم التي هزّت مشرقنا المكلوم في الأيام القليلة الماضية، تحديدا في لبنان (قطعة السماء على الأرض) وريف دمشق (قلعة الصمود والتصدي) وعفرين (أيقونة كردستان السورية).
وأمام بشاعة التفاصيل خاصة في جريمة اغتصاب الطفل اللاجئ السوري في البقاع اللبناني الذي اقتطعه الانتداب الفرنسي من سوريا ومنحه للبنان للإخلال بتركيبته الديموغرافية، أتساءل على غرار الشاعر المصري الكبير جمال بخيت: هوّ دين أبوهم اسمه إيه؟
مرة أخرى تذكرنا صدمات العار أن ملة الشر واحدة، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، فأبناء الشياطين مازالوا بقرنين وذنب بفتح النون كما صورهم رسامو الكاريكاتور.
ثمة قيح وصديد في هذه التشوهات الخُلقية والخَلقية بضم الخاء في الأولى وفتحها في الثانية، آن الأوان إلى فقئه بمبضع لا يرحم ولا يجامل والأهم لا يرتجف، حتى تكتمل العملية الجراحية فيما بعد بتنظيف الجرح وانتظار التئامه الطبيعي في بيئة نظيفة فيها نور الشمس وهواء السماء الطلق..
لو أرجعنا كل تلك الجرائم المروعة لجذورها، لن نجد غير الكراهية التي لا علاج لها سوى المحبة. وأقصر الطرق للمحبة كانت ومازالت الصدق. فأول خطى الشيطان الكذب فإن نجح في استدراج أتباعه تعددت الأبواب: الكبرياء، الانتقام، وشهوات الجسد.
صحيح أن الردع القانوني مطلوب وبقوة السلاح، لكن الوقاية تبقى أقل كلفة وأضمن نتائج. وهنا يكمن الحل في الإجابة على سؤال المقالة؟ من هو رب هؤلاء الجناة ومن رباهم؟ بمعنى هل وفرت الأسرة والمجتمع والدولة لهم تنشئة دينية ووطنية وإنسانية سوية؟ قطعا لا، وتتفاوت هنا درجات الملامة. من يتحمل المسؤولية أكثر الأم أم الأب؟ الأسرة أم الطائفة أم الحزب أم الدولة؟
وحتى لا يفهم من كلامي أن تلك الجرائم المروعة المشينة المزلزلة للـ “عرش” حكرا على المجتمعات التي تعاني التخلف، القهر أو الكبت، أسارع فأقول أن ما شهدته من أخبار الجرائم بدول غربية كان أشد قسوة وأكثر انحطاطا.
ذلك كله يعيدنا إلى حقيقتنا كبشر. إننا في بعض الحالات أكثر توحشا من وحوش الغاب. لهذا أقولها بملْءِ الفم: لن يكون هناك سلام ما لم نرجع إلى رب السلام.. وطريقه واضح ومعروف لدينا..

الكاتب:بشار جرار

قد يعجبك ايضا