من «رابعة» حتى «الذئاب الرمادية».. زواج الضرورة

منذ تفتق عقلية الانسان في فجر التاريخ عن منطق تشكيل الدولة بمؤسساتها المختلفة وهيكليتها المستمرة حتى الآن بألف قناع وقناع، والهدف منها تأكيد سلطة الانسان الأوحد والأناني والإقصائي على المجتمع المتعدد والمختلف الآراء والتوجهات. علاقة جدلية مبنية على التنافس بعض الأحيان والصراعات في كثير من الأحيان على من سيقود المجتمع للهدف المنشود الذي يطمح له الحاكم فقط. لأنه هو الذي يدرك أين تكمن مصلحة الفرد والمجتمع على حدٍ سواء، وكل من يعترضه سيكون مصيره معلوم للقاصي والداني، والتاريخ مليء بالأمثلة حول هذا الأمر.
ظهرت إلى العلن في الآونة الأخيرة ونتيجة اختلاف المصالح لا أكثر خلافات ما بين ماكرون الرئيس الفرنسي وأردوغان الرئيس التركي، حول اعتزام فرنسا اسكات وكبح جماح منظمة “الذئاب الرمادية”، النشطة في أوروبا عمومًا. هذا السجال الذي فتح شهية بعض المتطفلين من الكتَّاب والإعلاميين والصحفيين، أن يتسابقوا في البحث عن معلومات حول هذه المنظمة السيئة الصيت منذ عقود. ولكن تعويمها في هذه الفترة بالتحديد له أسباب عدة ولماكرون حججه في هذا الأمر.
تنظيم الذئاب الرمادية وتسمى أيضا الشباب المثالي وتعرف رسميًا باسم (بالتركية: Ülkü Ocakları)‏، هي منظمة تركية يمينية متطرفة تشكلت في أواخر 1960. تعتبر الذراع المسلح غير الرسمي لحزب الحركة القومية، تعارض أي تسوية سياسية مع الكرد، كما أنها معادية للسلطة التركية، وقد سبق أن اتهمت بالإرهاب.
يوصف على أنها “ذراع الشباب المسلح” لحزب الحركة الوطنية، “ذراع مسلم غير رسمي”، و”جناح شبه عسكري وإرهابي”. أسسه الكولونيل ألپ ‌أرسلان توركش في الستينيات، وكان يمثل القوة الوطنية الرئيسية أثناء العنف السياسي في تركيا عام 1976-80. خلال تلك الفترة، أصبح التنظيم “فرقة موت” اشتركت المنظمة في “عمليات قتل وتبادل إطلاق نار في الشوارع”. حسب السلطات، 220 قاموا بقتل 694 من النشطاء والمفكرين اليساريين والليبراليين. كانت الهجمات على طلبة الجامعة شائعة. قاموا بقتل مئات من العلويين في مذبحة مرعش عام 1978 ويزعم أنهم وراء مذبحة ميدان تقسيم عام 1977. العقول المدبرة وراء محاولة اغتيال الپاپا جان پول الثاني عام 1981 بواسطة عضو الذئاب الرمادية محمد علي أكجا لم يتم التعرف عليها، وظل دور المنظمة غامض بسبب هذه الهجمات. وكذلك مقتل الصحفي الأرمني هرانت دينك في إسطنبول على يد أحد كوادر الذئاب الرمادية والذي أطلق سراحه بعد الاعتقال مباشرة.

ولكن مع تركيز الحركة على عدائها للكرد في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بادرت السلطة إلى إشراكها في معارك ضد حزب العمال الكردستاني. إن كان داخل المدن الكردستانية، والتي راجت فيها تقتل كل من تشتبه بموالاته للقضية الكردية. وحتى عام 1997 وانتهاء أحلك مرحلة في تاريخ تركيا الدموي مع انتهاء الائتلاف الحكومي ما بين اربكان وتشيلر، وصل عدد الذين تم قتلهم إلى حوالي 17 ألف ضحية، ولا زالت الدولة التركية لم تقبض على أي مشتبه به رغم أن الكل يعرف من قام بعمليات القتل تلك، إن كان تحت اسم منظمة “حزب الله التركي” أو عن طريق منظمة “الذئاب الرمادية”. وحتى أن اتهام حزب العمال الكردستاني بقتل أولف بالمة رئيس وزراء السويد في ثمانينيات القرن الماضي، كان من عمل الذئاب الرمادية مع أجهزة استخباراتية دولية، لإلقاء التهمة على العمال الكردستاني ومحاربته باسم الإرهاب. ولكن في 2020 أعلنت السلطات السويدية أنه لا علاقة لحزب العمال الكردستاني بحادثة مقتل أولف بالمة وذلك بعد حوالي الأربعة عقود، ولكنها في الوقت نفسه لم تفصح عن الجاني الحقيقي.
وهذه المواقف الأوروبية ليست الأولى، ففي أعوام 2013 تم مقتل ثلاث سياسيات وناشطات كرديات في فرنسا وبعد مرور أكثر من سبعة أعوام على تلك المجزرة، إلا أن السلطات الفرنسية لم تعلن عن الجاني أيضًا وذلك لحسابات استخباراتية ما بينها وبين تركيا. مع العلم أن المبنى الذي تمت فيه عملية القتل فيه كاميرات سجلت كل ما جرى، لكن تبقى المصالح في أوروبا أقوى من الأخلاقيات وكشف الجاني.
وها هي فرنسا الآن تدفع الثمن عن صمتها ليس فقط عن الحادثة الأخيرة بل عمَّا قامت به تركيا عبر تاريخها الدموي كله. فهي والدول الأوروبية أوصلت أردوغان لما هو عليه الآن، وأنه حان وقت حصاد ما زرعته الحكومات والعقليات التي تحكم أوروبا من إرهاب مرتد لهم وعليهم.
وتوركيش مؤسس الذئاب الرمادية هو عقيد سابق في الجيش التركي، كان أحد مدبّري انقلاب عام 1960، كجناح مسلح لحزب الحركة القومية اليميني المتطرف الذي يهدف إلى توحيد جميع الشعوب التركية في دولة واحدة. وأجرى أجرى اتصالات مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عام 1948، ويقول إنها كانت في ذلك الوقت قد بدأت في بناء جيش سري مناهض للشيوعية في تركيا.
أبصر الب ارسلان توركيش النور في عام 1917 وتخرج عام 1938 برتبة ملازم. وفي 1952 كان من بين العسكريين الأتراك الذين شاركوا في الحرب الكورية. وفي عام 1957 عين ملحقًا عسكريًا بالسفارة التركية بواشنطن. ثم اعيد الى الخدمة ولكن ضمن القوات الملحقة بحلف الناتو. وشارك في دورات عديدة عسكرية وغيرها في الولايات المتحدة الامريكية وبلدان اخرى ونال الاختصاص في الذرة النووية من المانيا الاتحادية في سنة 1959.
توجهه إلى أمريكا ودراسته هناك ومشاركته في الحرب الكورية لم تكن صدفة بكل تأكيد، إن لم يكن من الموثوقين بهم من قبل قيادات حلف الناتو المتشكل بعد الحرب العالمية الثانية. من هنا كان لتوركيش وظيفته التي أراد أن يجعلها رسالة واضحة للغرب، بأنه الولد المطيع والمنفذ لأية أوامر توكل إليه. وانضمامه لحزب ريفي ضم في صفوفه شبانًا غاضبين يبحثون عن ذاتهم تحت أضواء المدينة، جعلت منهم كما وصفتهم السفارة الأمريكية في تقرير لها إلى الخارجية، عام 1969، بأنهم “أولئك الذين تُرِكوا خارج الحداثة.
تذكر مصادر بحثية حول سيرة ألب أرسلان توركيش، أنه تم تجنيده في مكتب استخبارات حلف الناتو، حين كان يتردد على الولايات المتحدة ضمن بعثات عسكرية تركية، وأصبح ممثلًا لهيئة الأركان التركية في الولايات المتحدة. وجاء انضمامه إلى حزب الأمة الريفي، ثم تأسيسه لاحقًا حزب الحركة القومية، بعد اعتزاله الحياة العسكرية.
أسس توركيش الجناح الشبابي للحزب تحت اسم “الذئاب الرمادية”، كواجهة غير رسمية لفرق الاغتيالات ضد اليساريين، ضمن جناح “الغلاديو” التركي، وهو جزء من الغلاديو السري الذي نشأ في إيطاليًا ووظّفه حلف الناتو، بشكل غير رسمي، ضد الشيوعية.
وحتى المتتبع لدور ألمانيا في تركيا يمكنه أن يرى أن ثمة دور كبير للفكر النازي في انتشاره بين الشباب الترك وخاصة في فترة الثلاثينات. إذ، أنه خلال فترة الحكم النازي لألمانيا، روج النازيون بقيادة السفير الألماني في تركيا، فرانز فون بابن، للحركات التركية الفاشية، وأظهروا اهتماما بأفكار المتطرفين القوميين الذي مثلوا اللبنة الأولى لتنظيم الذئاب الرمادية، وروجوا بدورهم إلى الأيديولوجية النازية.
وبدعم من ألمانيا النازية، ازدهرت الأفكار القومية التركية في الثلاثينيات، ونظم أنصارها أنفسهم في جمعية Turk Ocağı (منزل الأتراك).
ولكن من أين ظهرت بدعة ومصطلح الطورانية التركية إلى العلن. ومن هو الذي نشر هذه الفكرة بين الأتراك الذين حتى سقوط خلافتهم لم يكن يتشدقوا إلا بالإسلام كدين من أجل سلطتهم وسرقتهم لثقافات الشعوب؟
من بين الأسماء التي نقرأها كثيرًا في سعيه لتكريس التركياتية على الشعوب العثمانية ولمهم تحت هوية واحدة، هو (موئيز كوهين “1883 – 1861”)، كاتبًا وفيلسوفًا وصحفيًا تركيًا. ولد لعائلة يهودية، غيَرَّ اسمه لاحقًا إلى مونيس تكين ألب (Munis Tekinalp). على الرغم من أنه لم يكن تركيًا، فقد اعتنق بحماس الوطنية التركية ودافع عن تتريك غير الأتراك.
اعتنق تكين الب خلال حياته العديد من الأيديولوجيات. في البداية، مثل فكرة العثمانية، فكرة الهوية المشتركة والشاملة لجميع المواطنين العثمانيين بغض النظر عن أصلهم. في الفترة التي سبقت وأثناء الحرب العالمية الأولى على وجه الخصوص، مثلت تكين ألب أفكار القومية التركية. كان يؤمن بالأصل المشترك لجميع الأتراك. في رأيه، كان لدى الأتراك أيضًا قواسم مشتركة بين اللغة والعادات والتاريخ وطريقة التفكير والأدب. عندما دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب، صاغ أهدافًا لحرب عموم تركيا في كتيبه Türkler Bu Muharebede Ne Kazanabilirler? (“ما الذي يمكن أن يربحه الأتراك في هذه الحرب؟”). تجادل تكين ألب بشكل خاص ضد روسيا والصين ونشر “الوطن الذهبي” مع اسطنبول كعاصمة.
وقد عمل موئيز كوهين في هذا المضمار في سن مبكرة للغاية على ضوء أنه تربى في مدارس “الاتحاد الإسرائيلي العالمي”، وهي منظمة دولية كانت تستخدم الحركة الصهيونية واليهودية السياسية لصالح الأجندة الغربية عمومًا، والفرنسية على وجه التحديد. وسيطر فكر القومية التركية أو الحركة الطورانية على الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة، وبدأت سياسة التتريك للولايات العربية والأوروبية الباقية في قبضة إسطنبول.
بما أن هذه المنظمة السرية شبه العسكرية والتي يتم توجيهها من قبل وكالات الاستخبارات الدولية أهدافها ليست منحصرة في الداخل التركي فحسي، بل تتعدى ذلك بكثير مما نعرفه في تنفيذ الكثير من الضربات في أماكن مختلفة من العالم.
ففي عام 2015، قامت الذئاب الرمادية بهجوم بالقنابل في بانكوك، ما أسفر عن مقتل 19 شخصًا وإصابة 123، احتجاجًا على قرار الحكومة التايلاندية بترحيل مجموعة من الأويغور إلى الصين، بدلًا من السماح لهم بالسفر إلى تركيا، حيث كانوا سيحصلون على اللجوء. عن هذه الحادثة، لفت المحلل السياسي المقيم في بانكوك توني كارتالوتشي الانتباه إلى حقيقة أن الذئاب الرمادية عززت نشاطها في آسيا الوسطى، بما في ذلك الدول السوفياتية السابقة، وخاصة في منطقة شينجيانغ الأويغورية في الصين.
أما في ليبيا، فتدعم المنظمة التدخل التركي إلى جانب حكومة فايز السراج، بحجة أن لبعض أبناء مدينة مصراتة أصول تركية.
كذلك ضلعت هذه المنظمة في تنظيم العديد من العمليات، أهمها إسقاط طائرة روسية في سيناء التي تبنتها “داعش”، وظهرت تقارير استخباراتية بأن الذئاب الرمادية – أيضًا – مشتركة في العملية التي راح ضحيتها 245 مدنيًا.
تحالف أو زواج الضرورة التي لا بد منها والتي ظهرت في تركيا لمرتين حتى الآن؛ الأولى كانت في تسعينيات القرن الماضي حينما تم تشكيل ائتلاف حكومي لأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية ما بين حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان وحزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيلر عام 1996، والتي لم تستمر طويلًا وجرى بعدها بعام انتخابات أخرى عام 1997. والثانية في 2017 الائتلاف أو الزواج ما بين أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية وبين بخجلي زعيم حزب الحركة القومية، زواج من أجل تصدير الأزمة الداخلية للخارج ونشر الحروب. ومن المفارقات التي يعرفها الجميع هو تحالف الحركة القومية التي يتزعمها دولت بخجلي التي تحارب الدين منذ تأسيسها على يد كمال اتاتورك الذي اغلق الجوامع ومنع التعليم الديني، مع حزب اردوغان الاخواني، إلا أن الجميع يدرك أن الاحزاب التركية مهما بلغت خلافاتها، إلا إنها تتفق على نظرية تفوق العرق التركي على جميع أعراق المنطقة وأن لا صديق للتركي سوى التركي، وأن تركيا هي مركز الكون ومحركها.
وبعد أن كان أردوغان من أشد مناصري الأخوان لوحدهم دون غيرهم حتى 2013 وما حدث في مصر، ومشروعه الذي كان يطمح له في الوصول للنيل عن طريق محمد مرسي. ولكن بعد عزل مرسي هاج أردوغان ووصلت درجة الجنون لديه لأعلى مستوى لها وما زالت مستمرة ويتبين ذلك من خلال دعمه للإخوان ورفعه شارة “رابعة” في أي اجتماع جماهيري ليلهب عواطفهم وغرائزهم ويقول أني ما زلت معكم. يعرف أردوغان جيدًا وهو الزعيم الروحي للإخوان كيف يهيج مشاعر المسلمين الذين يسيرون خلفه من أجلهم توظيفهم في أماكن مختلفة كبنادق تحت الطلب متى ما يشاء وكيفما يشاء. وهذا ما رأيناه بكل وضوح كيف أن استقطب الفصائل التي كانت تدعي الثورة على النظام السوري وكيف حولهم لمرتزقة مأجورين ينفذون أجنداته في محاربة أعدائه هو فقط.
فتم زجهم في المعارك في الشمال السوري مع الكرد بعدما تركوا النظام وكذلك نقلهم إلى ليبيا وسيناء والآن إلى أرمينيا. فلا مشكلة عند أردوغان فهو بالأساس لا يعترف بالحدود وعينه على استعادة الوهم العثماني مجددًا على كامل الخريطة التي تتراءى له من الصين حتى أوروبا وشمالي افريقيا. زواج ما بين شارة “رابعة” التي استثمرها الاخوان وما بين رمز “الذئاب الرمادية” التي يستثمرها القوميين النازيين الترك. فكانت مفرزاته هو اختلال مناطق في شمالي سوريا ونشر الإرهاب والتهجير والقتل والحرق لكل شيء يمرون فيه. وكل ذلك يتم من خلال منظمة “الذئاب الرمادية” التابعة لحليفه في الائتلاف دولت بخجلي. حوَّل أردوغان الكل لأدوات من أجل أطماعه؛ فها هو حوَّل الفصائل السوية إلى مرتزقة وكذلك انتزع منظمة الذئاب الرمادية من يد بخجلي وراح يهدد فيها كل من يعترضه وأينما كان في مشرق المتوسط أو أوروبا.

الكاتب: محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد 

قد يعجبك ايضا