مقصلة الجغرافيا والأرمن والكرد

لطالما كانت الجغرافيا المكان الذي يرتبط به الإنسان عبر التاريخ وما زال هو الموطن الأصلي الذي يتحول مع الزمن إلى الحضن الدافئ لأي شعب، وهو المهد الذي يترعرع فيه الإنسان لتتحول الجغرافيا بعد ذلك من المكان وارتباطها بالزمان إلى تاريخ هذا الإنسان ومنه الشعب، وتكون الرابطة بينهما رابطة عضوية لا يمكن الانفصام والانفصال فيما بينهما مهما طال الزمن. وأن عملية تغيير الجغرافيا والانتقال لمكان آخر للعيش هي بحد ذاتها قرار يتم اتخاذه بعد تفكير طويل محدد الأهداف والغايات، وإلا تحول القرار إلى مجرد نزعة ما تلبث أن تخبو وتكون من النسيان.
أو أن يكون التغيير الجغرافي عنوة وفرضًا على الإنسان وهنا نكون أمام كارثة اجتماعية نفسية يكون فيه القرار نابعا من الآخر وفرض على صاحب المكان، وهذا يكون لأهداف كامنة في غايات الطرف المعتدي والهدف هو وضع اليد على كل ما يمت بهذا الإنسان أو الشعب وسرقة تاريخه وجغرافيته وكل ما يتعلق بهما. حينها نكون هنا أمام عملية تغيير ديموغرافي وتهجير قسري لشعب كان صاحب المكان والزمن والذي منه التاريخ، الذي يعني فيما يعنيه الوجود الإنسان بنفس الوقت والذي يحدد شخصية الإنسان وتكوينه ومدى ارتباطه بالمعنى والحياة. وإلا أنه حينما يفضل الإنسان عن المكان والزمان والتاريخ ستكون الحياة بالنسبة له عديمة الجدوى وكذلك المعنى.

والمتابع لما تم تسميته الآن من الفوضى المنتشرة في المنطقة عمومًا نرى أنه في ظلها تقوم القوى الإقليمية والدولية بكل قوتها المادية على فضل الشعوب عن جغرافيتها وفك ارتباطها بالزمان والزمن وبالتالي بالتاريخ وتحويلها لشعوب مستهلكة فاقدة لمعنى الحياة وهمّها الوحيد هو مجرد العيش في أي بقعة ومكان آخر والبحث عن لقمة العيش فقط. قوى مهيمنة لديها ما يكفيها من ألاعيب وأجندات لسرقة تاريخ الشعوب وجغرافيتهم ولتذهب الشعوب إلى الجحيم في أحسن الأحوال.

يسعون للمجازر الجماعية لكل من يرفض أجنداتهم ولكل من يصرّ على الارتباط بتاريخه والمكان الذي يعني له كل شيء. هذا ما يفعله أردوغان ومشغليه من القوى الدولية التي تقوم بأكبر ثاني عملية تهجير جماعي للشعوب من على أرضها وليذهبوا أينما يريدون، تاركين خلفهم ذكرياتهم وآمالهم وطموحاتهم والمكان الذي يعني كل شيء بالنسبة لهم، ولا شيء بالنسبة لأردوغان ومن يقف خلفه. المكان والتاريخ بالنسبة لأردوغان لا معنى له أبدًا وكذلك بالنسبة لأمريكا التي بالأساس تشكلت على دماء الشعوب الأصلية لأصحاب ذاك المكان من الهنود الحمر كما تركيا التي تشكلت على حساب أصحاب ميزبوتاميا وبلاد الرافدين من الشعوب الكردية والأرمنية والسريانية والعربية.

منذ قرن من الزمن كانت الألاعيب الكبيرة التي حيكت بحق نفس الشعوب وكانت أكبر عملية تهجير وتغيير ديموغرافي حصلت في التاريخ الإنساني بيد القوى المحتلة من أجل تشكيل وطن متجانس سُمي بعد ذلك تركيا. هذا الوطن الدخيل والمفترض تحول لعصى غليظة بيد القوى المهيمنة الدولية لتربية دول وشعوب المنطقة وكل من يقف أو يفكر يومًا ما بالحرية والكرامة.

مجازر كان ضحيتها بالملايين من الأرمن والكرد والسريان في بدايات الحرب العالمي الأولى، بعد أن وعدتهم إنكلترا وفرنسا وروسيا بدولة إن هم ساندوهم ودعموهم في دك الخلافة العثمانية والقضاء على الرجل المريض الذي بات يعاني من تراكمات التاريخ. ورغم ما حصل بحق هذه الشعوب من عمليات قتل وتهجير ودمار إلا أنَّ الذين رفضوا تلك السياسات وتمسكوا بمكانهم حافظوا على وطنهم وتاريخهم ولتهم وثقافتهم رغم كل ما لاقوه من ظلم وتهديد واعتقالات وأمور شتى لها مكان آخر لسردها لتكون ملاحم التشبث بالأرض لأجيال لاحقة.

الأرمن الآن كما الكرد والعرب يجابهون أردوغان ومرتزقته والإرهابيين الذين جلبهم من كل مكان ليزج بهم في حروب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، هم بالأساس تم تحويلهم من ثوار في أرضهم إلى مجرد بنادق قاتلة لا تعرف معنى الآخر الانسان وتقتل لمجرد القتل وأن خليفتهم المعتوه قد أمرهم بذلك، ويريد تحويل الجغرافيا إلى مقصلة لشعوبها إن هو استطاع. نفس العقلية والمخطط الذي كان قبل قرن من الزمن يسعى أردوغان والانكشاريين الذين معه للنصر وسرقة التاريخ والجغرافيا مرة أخرى ولكن بعد قرن.

بكل تأكيد أن الكرد من قوات سوريا الديمقراطية الذين قضوا على أعتى وحوش في وقتنا المعاصر من داعش وأخواتها من الفصائل الإرهابية الأخرى، هذه الوحوش التي كانت أداة أردوغان لتنفيذ أجنداته والقوى الدولية بعدما فشلت في مهمتها، ها نحن نرى أردوغان بحد ذاته قد دخل المعركة بنفسه يقودها مع حثالة المجتمعات والجغرافيا والتاريخ من مرتزقة وإرهابيين لا تعرف معنى تلك المصطلحات لأنها تربت على القتل والتهجير والدمار.

على ما يبدو أن أسباب وجود الشعوب وارتباطها بوطنها الذي يعني المكان والجغرافيا والتاريخ والوجود، لديهم من القوة على دحر اردوغان ومرتزقته إن هم وحدوا جهودهم وقوتهم لهدف مشترك وهو العودة لوادي الرافدين وتحويله ثانية لمهد الحضارة والبشرية، وهذا لن يكون إلا بتلاحم شعوب هذه المنطقة من كرد وأرمن وعرب وسريان وغيرهم من الشعوب، وهذا التلاحم ينبغي أن يكون على أساس بناء المجتمع الأخلاقي على أساس العيش المشترك وأخوة الشعوب، حينها يمكن إعادة الاعتبار للتاريخ والجغرافيا والزمكان.

المصدر: صدى البلد

الكاتب: محمد أرسلان

قد يعجبك ايضا