مشروع سياسي أردوغاني يفتقد مقومات الحياة

يعجبني في الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، أنّه يضع الوجود التركي غير المشروع على الأراضي الليبية في إطاره الصحيح، فيتحدّث عن شيء واضح اسمه: مشروع أردوغان في ليبيا!

لا يتحدّث الجيش الليبي في هذه الأيام خاصة عن مجرد تسللٍ تركيٍّ إلى الأرضي الليبية، ولا عن ميليشيات ترسلها تركيا إلى حكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج في العاصمة الليبية طرابلس، ولا حتى عن اتفاقيات أمنية وغير أمنية عقدتها كلٌّ من حكومة أردوغان وحكومة الوفاق معاً، بل يتحدث عن عنوان أشمل من ذلك بكثير. ” مشروع أردوغاني في ليبيا”!

الجيش الوطني الليبي لا يتوقف عند حدود الحديث عن ذلك، ولكنه يعلن أنه سينهي هذا المشروع في الأمد الزمني المنظور، بما يعني أن مشروع أردوغان في ليبيا سوف يتحوّل على يد جيش البلاد الوطني، إلى سراب سياسي لا عين له ولا أثر.

والحقيقة أن هذا الإدراك من جانب الجيش الليبي يستحق الوقوف والإعجاب؛ والسبب أنه يذهب إلى الأصل في الموضوع بشكل مباشر، ولا يسمح لنفسه بالانشغال بالتفاصيل، التي قد تحجب عنه رؤية الأمور على حقيقتها، وقد تعطله عن الذهاب إلى إنجاز ما يتعين عليه إنجازه على الأرض!

ذلك أن عناصر الجيش الليبي قد تنخرط كل نهار في ملاحقة الطائرات المُسيّرة، التي يبعثها أردوغان إلى حكومة الوفاق، طائرة وراء طائرة، وقد تستهدف سفينة تركية أو أكثر تتخفى وتقترب من شواطئ البلاد، وهي محملة بالسلاح وبغير السلاح إلى حكومة السراج، وقد تطارد الميليشيات التي أرسلتها أنقرة للقتال إلى جوار الحكومة في طرابلس. قد تفعل هذا كله، وهي تفعله بجد في كل يوم، ولكن هذا كله في الوقت نفسه يجب ألا يصرف انتباه الجيش الوطني على مستوى قيادته، عن الالتفات إلى أن هذه التفاصيل كلها يجمعها خيط واحد ممتد اسمه: مشروع أردوغان في ليبيا!

وهو في الحقيقة ليس مشروعاً تركياً، ولكنه مشروع أردوغاني في الأول والأخير، لأنه مشروع مرتبط بوجود حاكم تركيا الإخواني على مقاعد الحكم في بلاده، ولأنه مشروع سيختفي في اللحظة التي يفقد فيها أردوغان الكرسي، وفي اللحظة التي يتقدم حزب آخر في تركيا، بدلاً من حزب العدالة والتنمية الذي جاء بأردوغان إلى السلطة مع بدايات العقد الأول من هذا القرن!

ولا تخفى عنا حقيقة أن هذا المشروع ليس مشروعاً أردوغانياً في ليبيا وحدها، ولكنه مشروع أردوغاني في منطقة عربية كبيرة، من العراق إلى سوريا إلى ليبيا، حث أن الرئيس التركي ذهب ليجرب حظوظ مشروعه السياسي في السودان مرة، أيام حكم عمر البشير، وفي الصومال حالياً مرة أخرى، وفي قطر مرة ثالثة، وفي تونس من خلال حركة النهضة الإسلامية مرة رابعة، وهكذا وهكذا، فهو مشروع كبير متشعّب، وهو في معنى من معانيه يشبه التنين الشهير الذي كلما انقطعت له ذراع نبتت له ذراع جديدة!

وليس سراً أنّ أصل هذا المشروع عربياً كان في القاهرة، خلال العام اليتيم الذي قفزت أثناءه جماعة «الإخوان» إلى الحكم. وقد كان رهان أردوغان الأساسي على وجود جماعة حسن البنا في مقاعد الحكم، وكان يراها رافعة تحمله وتحمل معالم مشروعه في أرجاء المنطقة، فلما سقط إخوان القاهرة سقط معهم المشروع الأردوغاني إلا قليلاً!

سقط مشروع الرجل بكل معالمه تقريباً مع سقوط «الإخوان» على يد المصريين في قاهرة المُعز، ومن بعدها أصابه الجنون وفقد صوابه، ولو أن أحداً جاء ليؤرخ لمسيرة أردوغان في السلطة منذ أن وصل إليها في 2002، فسوف يلاحظ بوضوح أن فيها خطاً بين أردوغان قبل سقوط جماعة البنا، وأردوغان بعد سقوط جماعة البنا، وأن سقوطها قد أسقطه أيضاً في الحقيقة!

لقد أسقطه سقوطها لأنه كان منذ بدايات القرن ينشط في تسويق المشروع للغرب، وكان يوهمهم وخصوصاً الأميركيين، بأن المسلم المعتدل قادر على طرد المسلم المتطرف من الساحة، وأن الذين ينتمون إلى «الإخوان»، ثم إلى حزبه الإسلامي بالتالي، يمثلون هذا المسلم المعتدل، وأنهم قادرون على طرد الفكر المتشدد من المنطقة، فلا يقوى هذا الفكر ويتّجه إلى مهاجمة الغرب على ملعبه!

هذا ما صوره الرئيس التركي للأميركان خصوصاً وللغربيين عموماً، وكان يفعل ذلك منذ أن كان رئيساً للحكومة، قبل أن يغيّر الدستور ويصبح رئيساً!

وقد صادف مَنْ يصدّقه هناك في دوائر الحكم على ما يبدو، وكان موقف إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من كثير من الحكومات العربية، في أثناء ما يسمى الربيع العربي، دليلاً لا تخطئه العين على أن الفرضيات النظرية التي راح أردوغان يروّجها لدى تلك الدوائر، قد وجدت من يعتقد صوابها، ومن يتصوّر إمكانية توافقها مع الواقع الذي يعيشه الناس!

ولكن عام «الإخوان» في القاهرة كان كافياً لمراجعة الفكرة من أساسها، وكان كفيلاً بدفع عواصم في الغرب إلى إعادة تقييم المشروع في مجمله، وكان نقطة فاصلة في البحث عما إذا كان اعتدال المشروع الإخواني الذي روّج له أردوغان يمثل حقيقة عملية، أم أنه نوع من السراب الذي يظل المرء يطارده، ثم لا يستطيع الإمساك بشيء منه نهاية المطاف

وكانت تفاصيل التجربة الإخوانية في الحكم طوال العام اليتيم، تقول إن الغرب الذي صدّق أردوغان في مشروعه، كان يشتري بضاعة فاسدة، وكان يدفع بسلعةٍ لا تستحق ولا تساوي، وكان يبارك ما لا تجوز مباركته ولا الموافقة عليه!

ومع ذلك، فإن العين المدققة فيما يجري حولنا في المنطقة، سوف تستطيع أن ترى أن واشنطن لم تبرأ كلياً بعد، من الاعتقاد في صواب ما روّجت له الحكومة التركية الأردوغانية، وكذلك الحال مع عواصم متفرقة في الغرب، وسوف تتكفل الأيام وحدها ببيان فساد هذا الاعتقاد وتداعي أركانه!

ولكن الغريب أن صاحب البضاعة نفسه، لا يريد أن يستوعب معنى سقوط حكم «الإخوان» بعد العام الوحيد، ولا يريد أن يستوعب أن هذه البضاعة إذا لم تكن صالحة للبيع بين أهلها في القاهرة، أو في دمشق، أو في بغداد، أو في غيرها من العواصم العربية، فلن تجد من يشتريها في ليبيا بالتأكيد، أو يدفع فيها قرشاً، فضلاً عن أن تجد من يشتري أو يدفع فيها خارج حدود المنطقة!

لا يريد أن يستوعب أن مشروعه قد يكون قد خدع بعض الناس لبعض الوقت، وأنه لن يستطيع خداع كل الناس كل الوقت، وأنه مشروعه قد يكون قد لمع أمام العيون لبعض الوقت، ولكن سرعان ما تبين أن لمعانه ليس حقيقة، وأنه زائف كسراب الصحراء!

وفي النهاية فمشروع أردغان مشروع سياسي ساقط بطبيعته، ليس لأن الخصوم الذين يقفون في مواجهته يتحاملون عليه، ولا لأنهم يغارون منه ومن نجاحه، ولا لأنهم يرون فيه من المزايا ما لا يجدونها عندهم، ولا لشيءٍ من هذا أو ذاك، ولكن لأنه مشروع سياسي يفتقد مقومات الحياة والبقاء!

الكاتب: سليمان جودة

المصدر: الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا