مبادرة الإدارة الذاتية للتفاوض مع النظام

من الضروري شرح بعض الوقائع والسياق الذي يتم فيه طرح مبادرة الإدارة الذاتية تجاه المفاوضات مع النظام.
أولا، إن المفاوضات تجري عموماً بين خصوم، وليس بين حلفاء، ولكل منهم واقعٌ فعلي وميداني، تحددها موازين القوى على الأرض، ومطالب ومصالح لكلٍّ منهم، وأيضا إدراك كل طرفٍ لمساحة التنازلات التي يمكن أن يقدمها أو لا يمكنه تجاوزها من أجل التوصل إلى اتفاق.
ثانيا، أن أغلب الهيئات المعارضة كالائتلاف وهيئة التفاوض وغيرهما، وأيضا التوافقات الدولية، وواقع موازين القوى على الأرض، تدعو كلها إلى التفاوض والحل السياسي، وإن الحل لا يجب ولا يمكن أن يكون عسكرياً.
ثالثا، إن المشهد السوري اليوم أصبح واضحاً في تحديد اصطفافات القوى العسكرية والسياسية، فعلاوةً على التدخل العسكري المباشر لأمريكا وروسيا وتركيا وإيران، لم يعد في الساحة السورية تواجدٌ لقوى سورية تسيطر على مناطقَ من الأرض السورية سوى النظام من جهة، والإدارة الذاتية من جهة أخرى، بينما تركيا تحتل عفرين ومناطق من شمال غرب سورية بمساعدة فصائل من المرتزقة، إضافة إلى إرهابيي جبهة النصرة التي تسيطر على إدلب ومشروعها الظلامي والتكفيري.
رابعا، إن الاحتلال التركي وتهديداته باجتياح مناطق الإدارة الذاتية لا يشكل خطراً على الإدارة الذاتية وحدها، وهي التي لم ولن تتوانى عن الدفاع عن الأرض السورية في مواجهة العدوانية التركية، بل إن احتلال تركيا للمزيد من الأراضي السورية يشكل تهديدا لمستقبل سوريا ووحدة أراضيها وتهديدا للنظام وحلفائه، أيضاً.
أما على الصعيد السياسي، فإننا نجد أن الائتلاف وهيئة التفاوض يتميزان بغياب أي تواجدٍ ميداني لهما على الأرض السورية، وكلاهما تابعٌ تماماً لدول إقليمية ولا يمتلكان مقوماتٍ سياسة مستقلة، وليس لهما سندٌ شعبي داخل البلاد. في حين أن مجلس سورية الديمقراطية وهو الممثل السياسي، لتجربةٍ فعلية وفريدة منذ سنوات هي الإدارة الذاتية، وهو التحالف الديمقراطي السوري الواسع والوحيد الذي يملك تواجداً فاعلاً على الأرض، ويستند على تجربة فعلية ومُعاشة وسند شعبي، ولا يتبع أو يخضع لوصاية أيِّ دولةٍ إقليمية أو دولية، وهو لا يحمل مشروعاً ديمقراطياً مناطقياً لشمال وشرق سورية، بل يعتبر نفسه صوت الديمقراطية، والجبهة الديمقراطية الأوسع والأقوى لكل السوريين، ويعبر عن مصالحهم، كلهم، في سوريا موحدة وحرة وديمقراطية ولامركزية.
لذلك، فليس مفاجئاً أن يطرحَ أحد الطرفين السوريين الأساسيين في الصراع السوري، وأقصد هنا الإدارة الذاتية، مبادرةَ تفاوضٍ مع النظام. هذه المبادرة احتوت على رؤوس أقلام للقضايا التفاوضية الأساسية، إلا أنها تشير بوضوح إلى أن التفاوض يتناول قضايا الحريات العامة والمعتقلين واللاجئين، وشكل النظام السياسي الديمقراطي المنشود، والإعداد للانتخابات التشريعية الحرة، وتمثيل المناطق فيها، وحدود اللامركزية الواسعة التي يجب أن تتوفر لمناطق الإدارات الذاتية. وأيضا، ترى أنه ضمن النظام السياسي الجديد ستكون قوات سورية الديمقراطية، جزء من الجيش السوري، مهمتها حماية الحدود السورية في مناطقها. بنود المبادرة، مع تعميقها وتوسيعها، تشكل إطاراً وترسم خطوات الانتقال الديمقراطي المنشود. وهذا يتطلب حشد كل الطاقات والقوى الديمقراطية مع مجلس سورية الديمقراطية في مبادرته ومفاوضاته، مع الإبقاء على أقصى حالات اليقظة والحذر، وعدم التفريط بالأهداف الأساسية لكفاح شعبنا من أجل تحرره، في هذه المفاوضات.
من واجبنا التشديد، على أن بنود المبادرة تحتاج إلى حوارٍ جدي، وتفاصيل كثيرة وخطواتٍ عملية موثوقة، ما يعني انتقال ديمقراطي سلمي وسلس. لكن تحقيقها يؤدي إلى بناء نظامٍ سياسي جديد ديمقراطي علماني لامركزي، وليس إعادة إنتاج النظام القديم، ولا بشكل من الأشكال، وهذا ما ضحى من أجله آلاف السوريين.

د. غياث نعيسة ـ كاتب وسياسي

قد يعجبك ايضا
ankara escort çankaya escort