ماذا نخشى في أميركا الجديدة؟

بين الفوز الذي أعلنته وسائل الإعلام المحلية الكبرى، والتنصيب الرسمي أو التقليدي للرئيس الأميركي، هناك متسع من الوقت لا أحد يعرف متى ينتهي. لم تعد تهم النتيجة بقدر ما يثير الفضول ذلك الانقسام الحاد بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، الجمهوري والديمقراطي. وهو بالمناسبة، يعكس واقع الحال في الشارع، وقد لا يكون مجرد أداة حرب بين الحزبين تزول مع إعلان الرئيس الفائز رسميا.

ربما يحسم أمر الفائز غدا، أو يستمر حتى منتصف شهر يناير المقبل وفق القوانين المتبعة، ولكن أيا كان ساكن البيت الأبيض للسنوات الأربع المقبلة، لا يجدر بالدول العربية وغيرها حول العالم أن تخشاه لسياساته، وإنما لما يدور اليوم في الولايات المتحدة من تجاذبات حادة بين معسكري الحزبين الرئيسيين. فهذه التجاذبات هي التي ستؤثر لاحقا على السياسة الخارجية الأميركية إزاء المنطقة.

الصورة اليوم واضحة إلى حد بعيد، فالرئيس الحالي دونالد ترامب بات الجميع يعرف سياساته، والمنتخب جو بايدن لا يريد أن يتبنى سياسة محددة تجاه أي شيء، ليبقي الباب مفتوحا على المساومات وفق ما تقتضيه المصلحة. وإن انتهت أزمة الانتخابات الحالية بسلام، فقد لا تشتعل التجاذبات بين الديمقراطيين والجمهوريين إلى حدود تؤدي حتما إلى تغير جوهري في القواعد التي أرساها ترامب في المنطقة العربية.

بواقعية شديدة، تعتبر المساومات ركنا أساسيا من أركان السياسة الأميركية الخارجية، سواء كان ساكن البيت الأبيض من الديمقراطيين أو الجمهوريين. ما تغير في عهد ترامب هو فقط حصر هذه المساومات بالمصلحة الداخلية للولايات المتحدة، وخاصة الاقتصادية منها. أما الإدارات السابقة فكانت تبتز دول العالم لمصالح خارجية أكثر منها داخلية. وهو ما مله الأميركيون وانتخبوا لأجله ترامب عام 2016.

نفس أعداد الناخبين انضم إليهم الملايين عام 2020 صوتوا لصالح ترامب، وهذا يدلل على أن من يتبنون شعار “أميركا أولا” باتوا قوة لا يمكن تجاهلها أبدا، سواء من أجل أفكار “يسارية”، أو تلبية لمطالب “حياة السود تهم”، أو حتى بغرض “استعادة الدور القيادي للعالم” كما يقول بايدن والديمقراطيون. واللافت أن “الترامبيين” إن جاز التعبير، باتوا كتلة موحدة وصلبة أكثر من المعسكر الآخر المتسلح بأفكاره اليسارية.

طالما بقي الخلاف بين “الترامبيين” و”اليساريين” في حدوده الحالية فهذا لن يشكل فارقا كبيرا بالنسبة لدول العالم خلال السنوات الأربع المقبلة، سواء بقي ترامب أم حل بايدن مكانه في البيت الأبيض. لكن إن تفجر الوضع وباتت المنافسة بين المرشحين للرئاسة اعتبارا من عام 2024، تتمحور حول رسم سياسات داخلية وخارجية مرضية لأي من المعسكرين، فهنا يبدأ التأثير الحقيقي للانقسام وتولد أميركا الجديدة.

ما يحدث هذه الأيام في الولايات المتحدة هو إرهاصات للانتخابات الأميركية القادمة في عام 2024. قد لا تتسبب الآن بمشكلة خارج الحدود إن بقي ترامب رئيسا، أو أبقى على مواجهته مع بايدن ضمن القنوات القانونية. ولكن إن قرر الانتقام من غريمه بإشعال حرب أو تفجير أزمة على بعد مئات الآلاف من الأميال من بلاده، فهنا يجب أن يبدأ القلق، وهنا ستبدأ دول العالم دفع كلفة الانتخابات الأميركية الحالية. ولا نذيع سرا بالقول إن منطقة الشرق الأوسط هي المرشحة بقوة لمثل هذا الخاطر الذي يفكر به ترامب، وفقا للعديد من توقعات المحللين والتغيرات التي يجريها حاليا في إدارته.

بين الحرب على إيران والانسحاب من العراق وسوريا، ثمة العديد من الخيارات التي قد يلجأ لها ترامب لإحراج الإدارة الأميركية المقبلة. سيكون الأمر بغرض الاستعداد لانتخابات 2024 فقط، وهو حتما سيؤدي إلى اضطراب كبير تدفع المنطقة ثمنه لما يزيد على أربع سنوات يعتقد ترامب أنه سيعود بعدها إلى البيت الأبيض، خاصة وأن بايدن لا يبدو صانع سياسات بقدر ما هو منفذ لها، و”الدولة العميقة” التي ساندته في الانتخابات الأخيرة، لا تبدو أنها تبحث عن حلول لأزمات المنطقة.

يحاول الديمقراطيون اليوم محاصرة ترامب عبر وسائل الإعلام وأجهزة الاستخبارات ومجلس النواب. ليس فقط خوفا من تداعيات خطواته “العقابية” على خطط الإدارة الأميركية المقبلة، وإنما من أجل منع استعداده للانتخابات المقبلة في عام 2024. فلا يفضل “اليساريون” مواجهة ترامب مرة أخرى مع الشعبية الكبيرة التي بات يتمتع بها، وكل الذي حققه لكتلته الصلبة والمتجانسة خلال ولايته الأولى.

لقد بدأت فعليا الحرب بين الجمهوريين والديمقراطيين، بين “الترامبيين” و”اليساريين”. إن تفاقمت وخرجت عن السيطرة كما يتوقع كثيرون داخل وخارج أميركا، ستؤثر على الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وخاصة إن تحولت أجندتها إلى تصفية حسابات بين الطرفين. فهذه البقعة الجغرافية من العالم، مليئة بالأخطاء التي يمكن استغلالها سياسيا، وتعج بالمشاكل التي قد تتحول إلى أزمات كبرى في لـمح البصر.

الرئيس الحالي دونالد ترامب بات الجميع يعرف سياساته، والمنتخب جو بايدن لا يريد أن يتبنى سياسة محددة تجاه أي شيء، ليبقي الباب مفتوحا على المساومات وفق ما تقتضيه المصلحة

العناوين التي تتناقلها وسائل الإعلام الأميركية حول خطط بايدن الداخلية والخارجية، تكشف استمراره في ذات النهج الذي بدأه الديمقراطيون خلال عهد الرئيس باراك أوباما. هذا النهج هو الذي جاء بترامب إلى السلطة في 2016، وهو باختصار يميع الأزمات ويماطل في حلها مقابل الاهتمام بشعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذا ما لم يعد مقبولا بالنسبة للأميركيين وشعوب المنطقة على حد السواء.

خارجيا قد تكون للديمقراطيين غايات كثيرة في هذا النهج، وربما يكون الأمر مجرد تراجع لأولوية الشرق الأوسط في سياستهم الخارجية. لكن النتائج بالنسبة لدول وشعوب المنطقة العربية تبدو ظالمة كثيرا، فما فعله أوباما، وسيواصله بايدن وفق ما تكشف حتى الآن، هو تمكين التغيير على مقاس فئة واحدة هي جماعات الإسلام السياسي، بالإضافة إلى إطلاق يد إيران كوصي مشارك لهذه الجماعات في السيطرة على العالم العربي. لا تعرف لماذا يبني الديمقراطيون أحلاما كبيرة على الخمينيين والمتأسلمين رغم أنهم لم يقدموا تجربة ناجحة في إدارة الدول، ولكن إن كانت أميركا الجديدة ترى أملا في هؤلاء فعلا، فهي حتما تريد خراب المنطقة وتفتيتها.

قد يعجبك ايضا