لا حل في ليبيا

الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة ودول الجوار من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة في ليبيا، تقف على حافة الفشل. الأسباب كثيرة. ومنها أن أصحاب الفصائل والميليشيات يريدون أن يكون لهم نصيب بارز في السلطة الانتقالية. ولكل منهم غاياته. وهي في معظم الأحوال غايات رخيصة، ولكنها في جميع الأحوال غير وطنية. بمعنى أنها تضحي بحياة ومصالح الليبيين وتجعل من وطنهم لقمة سائغة للتدخلات الخارجية، وقد انتهت إلى تبديد الكثير من ثروات البلاد، وهناك من يستعدّ لرهن هذه الثروات أيضا، مقابل أن يحصل هو أو جماعته على الثراء أو الرضا ممن يدعمونه.

الوضع الراهن بلغ من السوء بحيث أن الليبيين العاديين يعرفون تماما أنهم هم الخاسرون. وفي المقابل يعرف أصحاب الميليشيات أنهم لو دخلوا انتخابات حرة ونزيهة، فإنهم سيخرجون من اللعبة بخُفّي حُنين. ولكنهم يريدون إطالة أمد ما لديهم من نفوذ لكي يشتروا خُفّين أغلى، ويحوّلون ما أمكنهم من المال إلى الخارج.

العالم ودول الجوار يتصرفان انطلاقا من قناعات خاصة بهما عن الحاجة إلى الاستقرار. وتقوم هذه القناعات على مفاهيم ليست هي التي تشغل بال الذين يأتمرون لأردوغان. ما يجعل الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة ومصر والمغرب وتونس، تبدو وكأنها جهد ضائع ولا طائل منه، بل إنها نوع من حوار مع الطرشان. يسمعون شيئا، ويفقهون آخر.

والحال، فإنه لمن المُحرج أن تجد الأمم المتحدة نفسها تبحث عن مبعوث دوليّ آخر، بعد أن تمت الإطاحة بأربعة أو خمسة مبعوثين، وكل واحد منهم خرج بخبرة مريرة في التعامل مع الأزمة. وفضل نيكولاي ميلادينوف أن يستقيل من كل شيء، بما في ذلك مهمته كمبعوث لأزمة الشرق الأوسط، على أن يكون مبعوثا أمميا جديدا إلى ليبيا. هذا يعني أن المهمة ميْئوس منها سلفا. وكان رجل مهذب وخبير ومثقف مثل غسان سلامة قد انتهى قبل السيدة ستيفاني ويليامز إلى الاعتراف بالفشل وفضل النأي بنفسه عن كارثة التعامل مع أصحاب الميليشيات والمصالح الليبيين. كلهم على بعضهم.

محادثاتُ السلام متعددة العواصم والأطراف، التي استغرقت عدة أشهر، أخلتْ مكانها أخيرا للمخاوف من عودة النزاع المسلح.

ميليشياتُ طرابلس عادتْ لتحشد قواتها على تخوم سرت والجفرة. ولكي تبرر هذه الحشود، زعمت أنها رصدت تحصينات جديدة للجيش الليبي، وكأنه يجب على الجيش أن يُبقي مواقعه من دون تحصينات.

ولقد خاضت هذه الميليشيات كل ما وسعها من مناورات لتمضية الوقت في التنازع على كيفية تقاسم المناصب، حتى تمكّنت أخيرا من شراء 34 نائبا من البرلمان، بدلا من ضمّ نوابها إليه. وذلك في دلالة على الرغبة في زيادة التصديع بدلا من الوحدة.

الشيء الوحيد الباقي في مواجهة هذا الواقع، هو الحرب وليس البحث عن سلام يأتي. طرف واحد يجب أن ينتصر، ليضع حدا للفوضى وللصداع الذي لا ينتهي في التنافس على المناصب.

الجيش الوطني الليبي جدير بأداء المهمة. ولو أنه حصل على الدعم الكافي، فإن حسم المعركة لن يتطلب وقتا طويلا.

تركيا تستعدّ بدورها، لكي تفرض نفوذا دائما. وهي تعرف أن أيّ تسوية سياسية سوف تتطلب في النهاية أن ترحل عن هذا البلد، بينما هي تريد أن يُوفّر لها نفوذا طويل الأمد في المتوسط. وفي غضون شهر واحد أرسلت أكثر من 30 طائرة شحن لتنقل معدات عسكرية إلى طرابلس وقاعدة الوطية. فهل هذه رسالة سلام، أم أنها رسالة حرب؟

الدعوة إلى حسم عسكري تبدو أمرا غريبا تماما، بينما الكلام السائد هو مفاوضات هنا وحوار هناك واجتماعات هنالك. ولكن الحقيقة الثابتة في كل تجارب النزاع المماثلة، هي أن الحرب أقصر طريق لتحقيق السلام. وفي المقابل، فإن الكل يستطيع أن يلاحظ الحقيقة القائمة الآن، وهي أن مساعي السلام صارت أقصر الطرق لإطالة أمد الأزمة.

التجربة الراهنة، تثبت كل يوم، أن خوض المواجهة إلى النهاية هو الحل الأخير.

أصحاب الجماعات والميليشيات في ليبيا الذين يأتمرون لأردوغان، ليسوا من النوع الذي يمتثل للقيم الأخلاقية أو الوطنية. وما من أحد فيهم يرضى بالتنازل عن مكاسبه الشخصية. وبينما يزعم كل واحد منهم أنه يقاتل من أجل مصالح ليبيا، فإنه يقاتل من أجل نفسه في الواقع. وليست ليبيا سوى ستار مهلهل للأطماع الشخصية.

ومن المؤسف أنه لم يظهر بينهم إلّا شخص واحد يجرؤ على الاستقالة، هو فايز السراج بعد أن شبع من توقيع عقود الاستذلال مع تركيا. وبعد أن شبع من قرف الضغوط عليه لتوقيع المزيد.

ألا يبدو الأمر عجيبا، بعد كل سنوات الأزمة؟

ولكن لا عجب. فأصحاب الميليشيات في ليبيا، ورثوا وضعا أخلاقيا وثقافيا وسياسيا شديد التخلف، ممّا يجعلهم عاجزين عن التنازل أو القبول بتسويات أو النظر في مصالح بلدهم العليا، أو حتى النظر إلى الأفق البعيد.

ولهذا السبب، فإن إزاحتهم عن الطريق، هي الحل الواقعي والأخلاقي الوحيد.

المعركة، هي على وجه الحقيقة، معركة ضد وجود استعماري تركي يحاول أن يفرض نفسه عن طريق أزلام ومرتزقة. وهؤلاء لا يريدون حلا ولا تسوية ولا حتى تقاسم أدوار مع ليبيين آخرين. كل ما يرونه هو أنهم إذا قبلوا نصف الحصة، فإنهم سوف يخسرونها في النهاية، إذا عادت الأمور إلى الشعب الليبي لكي يقرر من هم الذين يمثلون مصالحه.

يعرف مرتزقة أردوغان حدود ما يمكن أن يحصلوا عليه في أي انتخابات. ولهذا السبب فإنهم يعطلون خيارات الحل التي تنتهي عند صناديق الاقتراع. لقد جربوها مرة، وخسروا، ولا يريدون أن يُلدغوا من الجحر نفسه مرتين.

الليبيون ليسوا شعبا من النمط الذي يقبل نفوذا أجنبيا حتى ولو كان قادرا على أن يستمطي بعض الليبيين أو يسترزقهم لصالحه. وإذا كان العصب الرئيسي للمرتزقة هم جماعة الإخوان، فهؤلاء عصبٌ لا ينفع معه إلّا القطع. لأنهم مصدر أزمة دائمة، وخراب لا ينتهي.

اُنظر إليهم في تونس. وسترى كيف دفعوا هذا البلد الهادئ المستقر، بمجتمعه الرصين، إلى مهاوي كارثة متعددة الأبعاد، لا تبدو لها نهاية واضحة. فما بالك في بلد مثل ليبيا لا يملك إرثا مماثلا للاستقرار والوحدة؟

الحرب خيار مكروه، لكنهم يجعلونها الخيار الوحيد الباقي للحل. حتى أنهم صاروا يتدربون على استخدام الأسلحة الثقيلة. إنما ليجعلوا استمطاءهم من جانب تركيا ثقيلا أيضا.

ولقد فعلت مصر كل شيء من أجل تحاشي الحرب. وحاولت أن تسترضي حتى أولئك الذين لا يخفون عداءهم لها. إلّا أن الحق عاد ليكون هو الحق.

تركيا لن ترحل بالتراضي، ولن تنسحب بالدعوات الدبلوماسية، وقادة ميليشياتها لن يقبلوا بالتخلي عن سلطتهم. والجواب الوحيد على ذلك هو أن يحصلوا على ما يريدون: الحرب. وهي أقل كلفة من نزاع لا ينتهي، وحل لا يأتي.

الكاتب: علي الصراف

المصدر:  العرب 

قد يعجبك ايضا