لا تظلموا الجاموسة

كان خبرا ملفتا مثيرا للضحك والسخرية، ولكنه تحول لكوميديا سوداء تعبر عن مأساة كبرى تعيشها بلاد الرافدين التي حولها التدخل الإيراني من عراق الحضارة والتاريخ إلى عراك الطائفية والشقاق.
جاء تناول بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي العراقية لخبر مصرع طبيب إثر حادث تصادم مع جاموسة بمدينة سمراء ليعبر عن حجم الأزمة بل والمأساة التي يعانيها شعب العراق.
الخبر الذي يدخل ضمن قائمة الأخبار الخفيفة وفقا للتصنيفات الصحفية المتعارف عليها دوليا تحول في العراق لجزء من الصراع المذهبي وألبسه البعض رداء الطائفية البغيض، لتتحول الجاموس من حيوان زراعي صديق للفلاح إلى قاتل يعتنق المذهب الشيعي، ويتحول الطبيب من مجرد ضحية لسوء إدارة المرور إلى قتيل يعتنق المذهب السني، دون أن ندري ما علاقة السنة والشيعة بالحادث الطريف!
للأسف تحول كل شيء بالعراق إلى عراك، في ظل سياسة المحاصصة الحزبية والمذهبية والعرقية التي اعتمدها نظام ما بعد صدام بصورة عمقت معاناة شعب العراق وجعلت من أرض الرافدين ساحة كبرى لصراع دول الجوار التي سعت لنشر الفرقة والمذهبية بين الأخوة بصورة لم تسلم منها الحيوانات حتى أصبحت الجاموسة شيعية.
يحتاج العراق الخروج من ذلك النفق المظلم، وعبور تلك المحنة التي طالت سنواتها العجاف، فمن يصدق أن العراق الذي يتصدر قائمة مصدر النفط تعاني معظم محافظاتهم من انقطاع للكهرباء والمياه، من يصدق أنّ نسبة الفقر في محافظات جنوبي العراق بلغت 31.5 في المائة، وفي محافظات الوسط 17 في المائة، وفي بغداد العاصمة 13 في المائة، فى حين بلغت نسبة الفقر في محافظة مثل الديوانية لمستويات قياسية بعد بلوغها 60%.
كما ارتفعتّ نسب الفقر في المدن التي احتلها تنظيم “داعش” لتصل إلى 41 في المائة، بعدما لم تكن قبل ذلك تتجاوز 20 في المائة وفقا لبيانات وزارة التخطيط العراقية.
لا يعاني العراق فقرا في الموارد أو الثروات بل يعاني خرابا في الذمم وفسادا في القيادات، أزمة العراق أن بعض قياداته ربطت نفسها بدولة مثل إيران أكثر من ارتباطها بالعراق نفسه، ففي الوقت الذي يحاصر العالم إيران وتفرض أمريكا عقوبات على من يتعامل مع دولة الملالي نجد وزير خارجية بغداد يعلن أن بلاده ستقوم بدور الوساطة بين إيران وأمريكا، مؤكدًا رفضه التصرفات الأميركية أحادية الجانب!
يحتاج قادة العراق وأحزابه وشعبه لثورة على المذهبية، وانقلاب على فكر الطائفية، وبتر كل قوانين العنصرية، يحتاج العراق لدستور جديد لا يفرق بين سني وشيعي أو ايزيدى ومسيحي، يحتاج العراق لقوانين التعايش والتسامح ليستعيد أمجاده ووحدة شعبه.

محسن عوض الله ـ كاتب وصحفي مصري

قد يعجبك ايضا
ankara escort çankaya escort