كَمَثَلِ المُثَقّفِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً

جدلية من هو أو تعريف المثقف لا زالت مستمرة في واقعنا الذي نعيشه ولم نصل لتحديد هوية هذا الطرف بسبب فوضى انتشار من يدّعون الثقافة في زمن لم نعد حتى تعريف الثقافة بماهيتها ووجودها والهدف منها.

حالة الضياع في العريف ليست وليدة اللحظة التي نعيشها، لربما كانت قديمة منذ أراد البعض التسلق للوصول للسلطة وإن كانت في حيز ضيق وفق قوته. صراع سيستمر ما بين الذين يدعون الثقافة وبين المثقفين أنفسهم، وكأنه صراع وتنافس على الاستحواذ على القيمة المعنوية والمادية، فهذا يبحث بين سطور الثقافة عن التراكم المادي والسلطوي وذاك يفتش عن دوره في تطوير المجتمع وزيادة الوعي فيه. وشتَّان ما بين الدافعين من لكل طرف.

نلتقي ونتعامل بشكل شبه يومي مع هاتين الحالتين بشكل كبير وحتى أننا وصلنا لدرجة الاستخفاف بالمبادئ على حساب العلاقات الشخصية وإدارة تلك العلاقات. التعايش في ظل هكذا تقربات باتت جزءًا من حياتنا وعلاقاتنا المجتمعية التي بحد ذاتها وصلت لمرحلة فيها الكثير من التقربات المزدوجة أو ما يعرف “ازدواجية العلاقات”.

وهذا الأمر أدى إلى أن تتفاقم الهوة أكثر وأكثر وأن يصدق هؤلاء أشباه المثقفين بأنهم بالفعل باتوا مثقفين وأن عليهم ولهم دورًا كبيرًا في توعية المجتمع وايصاله لبر الأمان في ظل الفوضى التي تضرب المنطقة، والتدخلات الإقليمية والدولية التي تعصف بالمجتمعات والدول والشعوب. هذه الفوضى التي يتم استغلالها بأبشع صورها من قبل وسائل الإعلام التي تطبق أجندات تلك القوى، تسعى بكل ما لديها من وسائل لنشر المعلومات المغلوطة وغير الحقيقية عن الطرف الآخر بهدف تشويه سمعتها وزرع بذور التردد والشكل عند من يدعمونها.

المشكلة ليست في وسائل الإعلام تلك لأن الجميع يدرك أن أي وسيلة إعلامية لها أهداف معينة تقوم بها، لكن هناك بعض من وسائل الإعلام خرجت من هذا السلوك واختارت أن تصطف في الجبهة الأخرى وتشويه المجتمعات وحقيقة النشاطات التي تقام فيها.

ومن هذه وسائل الاعلام من عمل وما زال على تخريب البلدان والمجتمعات وتُدار من قبل جهات لها أهداف محددة. خاصة أن مصطلح “الفوضى الخلاقة” الذي تم نشره يهدف لزرع التفرقة بين أفراد المجتمع بكل الوسائل إن كانت العنفية وتحويل الحراك الشعبي إلى مواجهات مسلحة بين الأطراف المتنازعة والمتصارعة وحتى المتنافسة فيما بينها وكذلك نشر الشائعات والأكاذيب بأسلوب مهني ليصدقه الاخرين على انه الحقيقة. وهذا يتعلق بالحرب الخاصة التي تتم بشكل ممنهج في كل الأوقات.

هنا يأتي دور المثقف الذي ينبغي عليه أن يكون عين ولسان وأذن المجتمع ويقوم بواجبه في فضح هذه الأدوات وما تقوم به من أفعال وأعمال منافية حتى لأخلاقيات المجتمع. ولأن الأنظمة المتعاقبة على المجتمعات حولت المجتمع الى العيش في حالة نمطية ليس للعقل فيه أي دور، بكل تأكيد ستكون النتيجة كارثية في وسط الجهل الذي يُعاش وما سيترتب عليه من نتائج.

كثيرة هي وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية التي تقوم بنشر هذه الأكاذيب نهارًا جهارًا من دون أن ترتعد من كذبها حتى وكأن غوبلز لم يمت وأنه ما زال حيًا في مجتمعاتنا. حين تصديق المثقفين هذه الأكاذيب الترويج لها على أنها حقائق وقتها يمكننا القول بكل أريحية: “فلترقد بسلام يا غوبلز. لأنك لم تمت. ثمة الآلاف على دربك سائرون”. فما يمثله فيصل قاسم في بوقه “الجزيرة”، هو نفسه ما يمثله معتز مطر في بوقه (الشرق) ومحمد ناصر في بوقه (مكملين)، وهو نفسه دلبخوين في بوقه (رووداو). الأمر المشترك ما بين هذه الثلة من المذيعين الذين يدعون الثقافة وما بين أبواقهم الفضائية، هي أنهم جميعًا مدعومين وممولين من الاخوان المسلمين وخليفتهم أردوغان الذين يعملون على تبييض صورته في المنطقة. وكأن أردوغان بالنسبة لهم هو المهدي المنتظر المرتقب ظهوره ليخلص المنطقة من اللعنة.

هي اللغة الغوغائية والشعبوية التي يستخدمونها ويستغلونها في حالة الجهل المجتمعي الذي يعاش، بعد أن أوصلته تلك الأصناف من المذيعين والمثقفين أوصلت عقل المجتمع إلى شيء ما يشبه ذاكرة السمك. وهنا تكمن وظيفة هذه الشلة والميليشيا الإعلامية مع أبواقهم في تحويل المجتمع إلى مجتمع من دون ذاكرة وعقل وفقط عليهم أن يصدقوا ما يتم الترويج له من خلال تلك الأبواق.

لذلك قيل عنهم ولو تشبيه في محله على أنهم كمثل المثقفين الذين يحملون أسفارًا على ظهورهم ولا يفقهون منها شيئًا أي أنهم قرأوا الكثير من الكتب لا من أجل ان تكون في خدمة مجتمعهم وتوعيته، بل على العكس تمامًا في استحمار المجتمع وتنميطه وجعله كقطيع لا غير يصفق للقائد والزعيم الضرورة صاحب النهج الاستحماري. كراكوزات مضحكة في زمن انتشار الحزن والمآسي التي نعيشها في وقت أن يكون أمثال هذه الشخصيات هم من يحددون وجهتنا وما نصدق من عدمه.

العيب ليس في المجتمع بقدر ما هو في المثقفين الحقيقيين الذين لا يقومون بواجبهم ومسؤولياتهم التي تقع على عاتقهم في هذه المراحل الحساسة. ربما تكون عندهم الحجج الكثيرة والمعقولة وأن المعنيين لا ينصتون لهم، ولكن التاريخ لا ولن يرحم أحدًا بعد الانتهاء من هذه الزوبعة التي تضرب فنجان المشرق المتوسطي.

الكاتب: محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد

قد يعجبك ايضا