كورونا.. الأخطاء والخطايا

منذ أن غزت الجائحة العالم نهاية عام 2019 وحتى اليوم.

لا تزال الأسئلة تتوالد حول بنية فيروس كورونا وأسباب تحوره وانتقاله وانتشاره، جزء من الأسئلة التي ظهرت أجاب عنها العلماء إلى حد كبير، وأخرى لا تزال معلقة بسبب مفاجآت هذا المرض الذي أصاب حتى الآن نحو مئة وخمسين مليون شخص، وقتل نحو أربعة ملايين.

ولا شك أن الدول تباينت في أداء حكوماتها وقياداتها خلال مواجهة الوباء على مدار أكثر من عام ونصف، فكانت بعضها أكثر حكمة من غيرها إن جاز التعبير، ولكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الجميع في بداية المشوار وقع في أخطاء وعثرات نتيجة الجهل بكل أبعاد الجائحة ليس صحيا فقط، وإنما اقتصاديا واجتماعياً وحتى سياسياً.

في أخطاء تعامل الحكومات مع الوباء خلال الأشهر الأولى له، لم تتميز الدول المتقدمة عن النامية في السلوك؛ حيث لم تكن الدول الكبرى أكثر قدرة على التعامل مع المرض كما كان متوقعاً، أقطاب كبرى حول العالم افترستها الجائحة خلال الربع الثاني من 2020، بينما كانت دول صغيرة تخلو من الإصابات والوفيات تقريبا.

حتى نهاية صيف 2020 كانت هناك قرارات ارتجالية جرّت أضرارا في مواجهة كورونا، ولكن كثيراً من الحكومات التي أصدرت هذه القرارات عادت واحتوت تداعياتها عندما جعلت الأولوية لوقف تمدد المرض ومن ثم معالجة التبعات على المستويات كافة، فرضت إغلاقات قاسية جداً، و لزم مليارات البشر منازلهم.

لعل بريطانيا أكثر الأمثلة وضوحا على القرارات الارتجالية في محاربة الجائحة، عندما سعت في البداية إلى مناعة القطيع للخلاص من الوباء ولكنها اكتشفت لاحقا خطأ قرارها، فعادت لفرض الإغلاق إلى حين توفر اللقاح المضاد للفيروس، وقدمته لعشرات الملايين قبل أن تسمح الحكومة للمحال التجارية بفتح أبوابها مجدداً.

ألمانيا أيضا كانت نموذجا في محاربة الوباء عبر الإغلاق، حتى إن المستشارة أنجيلا ميركل اعترفت أنها بالغت وأخطأت في أوقات محددة، ولكنها لم تتراجع عن مواصلة العزل إلى حين توفر اللقاحات الكافية للألمان، الذين يتظاهرون باستمرار ضد إجراءات الحكومة القاسية في الإغلاق وتعطيل الحياة في البلاد.

في المنطقة العربية تبنت دولة الإمارات خططا للإغلاق، وأجلت فعاليات مهمة، ولكن الخطط أثبتت نجاعتها بعدما وصلت الإمارات إلى المركز الثامن عالميا والأول عربيا على مؤشر “بلومبيرج” لأفضل الدول في التعامل مع جائحة كورونا، وقد وفرت لسكانها أكثر من عشرة ملايين جرعة لقاح حتى الآن.

في الولايات المتحدة نفسها، كان أول عمل للرئيس جو بايدن عندما وصل إلى البيت الأبيض، هو إخراج محاربة وباء كورونا في البلاد من دائرة التجاذبات السياسية التي سادت خلال العام الأخير من ولاية سلفه دونالد ترامب، فأقر بايدن خططا صارمة للإغلاق والتباعد الاجتماعي، ووفر اللقاح لأكثر من مئة مليون أمريكي حتى الآن.

العامل المشترك بين التجارب الناجحة هو ليس أن الحكومات لم تخطئ على طول الطريق في مواجهة الوباء، وإنما تعلمت من أخطائها وأخطاء غيرها، وتحملت بكل مسؤولية إنقاذ شعوبها أولاً ومهما كلف الأمر، وفي ذات الوقت كانت تعمل وتضع الخطط لاحتواء التداعيات غير الصحية للجائحة في أقصر وقت ممكن.

مقابل التجارب الناجحة هناك حكومات لم تستفد من الدروس، وبقيت ترتجل في مواجهة الوباء إلى اليوم. ففي البداية كان هناك جوانب “تضليل” غضت بعض الحكومات الطرف عنها، وفي بعض الأحيان أسهمت في انتشارها، مثل ادعاء أن الطقس السيئ سيقضي على الفيروس، فبدأت السلطات باتخاذ قرارات على هذا الأساس، وسمحت الحكومات بالتجمعات والانتخابات والاحتفالات والمسابقات الرياضية، ما أدى في النتيجة لتضاعف عدد الإصابات بشكل مرعب.

هذه الحكومات تتحمل مسؤولية الكارثة التي حلت ببلدانهم اليوم، بسبب قرارات سيئة، منها تجاهل تحذيرات المختصين من التفاؤل الزائف بانتهاء الوباء، وتفكيك المستشفيات الميدانية، بالإضافة إلى التعاقد على كمية محدودة من اللقاحات.

ثمة فرق بين الخطأ والخطيئة بتوفر القصد وعدمه، وما فعلته بعض الحكومات في التعامل مع الوباء هذا العام خطيئة يصعب على الشعب تجاوزها وغفرانها، كما أنها ستكون عبرة لحكومات أخرى تفكر بالاستهتار في المرض وترك شعوبها في مواجهة وباء وصفه أطباء بريطانيون قبل أشهر قليلة بـ “سيد الخداع” و”المراوغ المذهل”.

المصدر: العين الإخبارية 
الكاتب: بهاء العوام 

قد يعجبك ايضا