قلعةُ سمعان، بين الحاضر والماضي

سلافا يونس

 

تعتبر سوريا متحفاً طبيعياً مفتوحاً على امتداد الأرض السورية، تنتشر المدن والمواقع الأثرية التي يزيد عددها عن 4000 مدينة وموقع أثري كما تُعدّ من أهم أوابد الحضارات الإنسانية. قلعة سمعان أحد أهمّ هذه المواقع الأثرية في شمال سوريا، نظراً لأهميتها التاريخية والدينية كونها مزيجاً لثلاث حضارات(رومانية, بيزنطية، وسورية).

يعتبر دير القديس سمعان العمودي –أحد أركان القلعة- صفوة  كنائس المدن, ومن أجمل روائع الفن كبناء في العالم ,يعود تاريخه الى القرن الرابع، أي إلى الفترة الزمنية التي عاش فيها القديس والناسك السوري سمعان العمودي, في شمال حلب فهو أوّل من ابتكر طريقة التنسّك على عمودٍ حجري, وهي طريقةٌ انتشرت بعده في كافّة مدن ومناطق الشمال السوري ومنها إلى أوروبا .

تحتضن كنيسة مار سمعان العامودي، عامودَ القديس سمعان الذي يبلغ طوله حوالي 15 متراً”, في منتصف البناء المثمّن الشكل، والذي تلتقي فيه أربعة كنائس لتشكّل صليباً “وتبلغ مساحة الكنيسة 5000متراً مربّعاً”

نمط البازيليك يميّز هذه الكنائس الأربعة التي تحوي في حناياها مقبرة الرهبان, التي تعود إلى نهاية القرن الخامس الميلادي وهي عبارةٌ عن غرفةٍ مستطيلة الشكل، نُحتت في الصخر أمّا دير الرهبان فيضم مصلّى خاصّاً بالدير لصلوات الرهبان اليومية, هذا فضلاً عن حجر كبير ربّما كان غطاء جرن المعمودية، ومنصّة صخرية كأنها أُعدّت للوعظ وتوجد أيضاً أحواض  صخرية .

بعد الفتح الإسلامي بقيت الكنيسة بيدِ أصحابها ,واستمرّ الأمر على ذلك إلى أن سيطر عليها البيزنطيون في أواسط القرن العاشر الميلادي حينما انتصر (نقفور) البيزنطي على الحمدانيين في حلب عام 970 م, فبنى حولها سوراً “قوياً مدعماً بـ/27/ برجا” وتحوّلت الكنيسة من مركزٍ ديني مرموق إلى قلعةٍ عسكرية حصينة في منطقة حدودية بين البيزنطيين والمسلمين، وعُرفت من يومها بقلعة سمعان.

تبعد قلعة سمعان عن مدينة حلب 37 كيلومتراً باتّجاه الشمال الغربي، حيث تتناثر القرى في السهول وسفوح الجبال وتتداخل السهول الخضراء مع الهضاب الجرداء التي تميل حجارتها إلى اللون الرمادي في منظرٍ طبيعيّ خام يفتن الزائر، يتسلّق الطريق نتوءات صخرية وصولاً الى القلعة التي ترتفع 564 متراً عن سطح البحر، وتــتفرّع عن القـــلعة طـــرقٌ كثـــيرة، تصلها بالمناطق المحيطة الغنيـــة بآثارها العائدة الى الفترة الزمنية نفسها وربّما تسبقها.

تعرّضت القلعة للقصف والدمار نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة. حيث نفّذ النظام العديد من الضربات الجوية على المعالم التاريخية في المنطقة من بينها قلعة سمعان. كما تتعرّض القلعة اليوم للقصف المتكرّر من دارة عزة التي تسيطر عليها جبهة النصرة.

تجدر الإشارة إلى أنه لم يصدر أيّ بيانٍ من أيّ جهةٍ دوليةٍ يدين القصف المتعمّد لقلعة سمعان، التي أدرجتها المديرة العامّة لمنظمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2011 ضمن قائمة التراث العالميّ.

قد يعجبك ايضا
ankara escort çankaya escort