قطر في وحدتها بعد اختفاء إيران وتركيا

إيقاف المعاملات التجارية بين تركيا وإسرائيل، وإطلاق الصواريخ والمسيرات الإيرانية على إسرائيل خطوتان تبدوان في إطار التصعيد في المواجهة على خلفية حرب غزة. لكن نظرة أكثر تدقيقا لطبيعة الخطوتين، لا تشير فقط إلى حجم الاستعراض فيهما، بل إلى أنهما مواقف الغرض منها الابتعاد عن الأزمة قدر الإمكان، وترك من تورط فيها بشكل مباشر -أي حماس- وغير مباشر -أي قطر- يغرقان بنتائجها بعيدا عن أية مسؤولية كبرى يمكن تحميلها على سنوات من التجييش والدعاية والتسليح والدعم لحماس وقطر معا.

خذ أولا المثال الفاقع، أي الرشقة الاستعراضية العقيمة من صواريخ ومسيرات إيران. إسرائيل ليست من النوع الذي لا يرد. الانتقام لديها هو جزء من آليات التخويف والردع. فشل الهجوم، لاعتبارات الفرق الهائل في القدرات بين غرب متقدم وإيران تتبنى إستراتيجيات عسكرية قديمة. الرد الإيراني تم بأسلحة هي خليط من تقنيات صاروخية تعود إلى الخمسينات من القرن الماضي (تحويرات لصواريخ سكود) ومسيرات بسيطة أهم ما يميزها هو أنها تطلق بأعداد كبيرة لتصيب الخصم بالعجز عن التعامل مع أهداف بطيئة وكثيرة. تصدت طائرات أميركية وغربية لعدد من الصواريخ الأخطر، وهي صواريخ كروز، بينما تكفلت صواريخ إسرائيلية من طرازات مختلفة بالتصدي للصواريخ البالستية والمسيرات.

ردت إسرائيل بهجوم تنبيهي لإيران، واستوعبت طهران الدرس. الاستيعاب كان واضحا في ما قاله المرشد الأعلى علي خامنئي لمريديه من جنرالات الجيش والحرس الثوري الذين جلسوا عند قدميه ينتظرون الغفران عن الفشل في تحقيق أية إصابة ذات معنى. خامنئي، ابن الحرب العراقية – الإيرانية وتجربة تجرع السم بقبول وقف إطلاق النار، يعلم أن ثمة حدودا لكل شيء، وطمأنهم، مثلما يطمئن أي مدرب لفريق كان مطلوبا منه اللعب في دوري كرة قدم فوق مستواه، بأن المهم هو المشاركة، أو في حالتنا المهم هو المبادرة بالرد وليس ما نتج عنه من نجاح أو فشل عسكري.

منذ تلك الجلسة الروحانية بين المرشد ومريديه من الجنرالات، اختفت إيران من المشهد. هناك صاروخ أو مسيرة حوثية بين حين وآخر، وهناك رد من حزب الله على استهداف قياديين من الحزب في لبنان، وانقطعت المبادرة بالانتقام للفلسطينيين مما يحدث لهم في غزة. لا يزال البحث عن المسيرات أو الصواريخ التي أطلقها الحشد الشعبي على إسرائيل جاريا، لأن فيما عدا البيان الذي ذكرت فيه واحدة من الميليشيات العراقية بأنها نفذت عملية استهداف لتل أبيب، فإن لا أثر لشيء. مثل أي ساحر محترف، استطاعت إيران الاختفاء من المسرح أمام أعين مئات الملايين من المصفقين. كل شيء هادئ على الجبهة الشرقية.

الموقف التركي مختلف بعض الشيء. هذا بلد لا يزال يستقبل زعماء حماس ويحتفي بهم بشكل مفتوح. من المؤكد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يريد أن يستعيض بالإعلام والكلام، عن انعدام الفعل في نصرة الفلسطينيين بشكل حقيقي أمام الإسرائيليين. مرت أقسى مراحل القصف والتدمير الإسرائيلي لمعظم غزة، من دون موقف تركي حقيقي للرد. ما بقي من غزة هو جيب رفح، وهو جيب ساقط عسكريا لكنه موجود سياسيا لأن الولايات المتحدة لم تمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإذن باجتياحه. الآن تركيا -أي أردوغان- قررت إيقاف التعامل التجاري مع إسرائيل بعد أن استكملت إسرائيل كل أهدافها العسكرية في معظم غزة. ولأن أردوغان بوجهين، واحد لعالمنا العربي والإسلامي الذي ينبهر بالكلام، وآخر للغرب الذي لا تهمه الثرثرة بل الفعل، فإنه ربط من أول لحظة عودة التبادل التجاري بعودة وصول شحنات الإغاثة إلى ضحايا غزة من الأبرياء والمهجرين والجوعى. موقف أقل ما يقال عنه إنه انتهازي وضعيف، لكن الأساس فيه هو التملص من أي دور، بما فيه دور الوساطة الذي تتحرك قطر للتخلي عنه تماما.

لن ترضى إسرائيل بوسيط تركي يقاطعها اقتصاديا وشغل ماكينته الإعلامية لإهانتها وإدانة جرائمها. أعطى أردوغان إسرائيل الحجة لتستبعده من الوساطة، وأعطى العرب والمسلمين، والأهم المطبلين من الإسلاميين، الموقف السياسي بالمعاقبة الاقتصادية لإسرائيل. بعد أيام، كل ما سيردده الإسلاميون التابعون لأردوغان هو أن تركيا قاطعت إسرائيل لعيون الفلسطينيين، وستختفي التفاصيل المرتبطة بالتوقيت (أي بعد أشهر طويلة من الحرب) وربط عودة العلاقات بفتح طريق المساعدات. في تاريخ حركة الإسلام السياسي هناك مجال كبير للهوامش أسفل النصوص، وللملاحظات في آخر الكتاب. هذه التفاصيل مكانها هناك مهما كانت محورية الآن.

بقيت قطر في ورطتها مع حماس. فلا صواريخ ومسيرات تطلقها، ولا بوسعها الحديث عن مقاطعة تجارية مع إسرائيل أو عقوبات على من يساندها. تعرف الدوحة في قرارة نفسها أن موسم التساهل معها قد انتهى وأن الإدارة الأميركية إنما تجاملها لحين استيفاء أهم بند في المفاوضات الجارية وهو خروج المحتجزين الإسرائيليين من أنفاق غزة نحو إسرائيل. لإسرائيل ثأر ثان مع القطريين، غير ثأرها مع حماس قطر. ولا يخفي كثير من أصحاب النفوذ في الولايات المتحدة، وهم أصحاب أصوات عالية في الكونغرس، ضرورة الاقتصاص من قطر، مهما حاولت تبرير استضافتها لحماس كوسيلة للتأثير عليها. التأثير على حماس كان يعني من وجهة نظر إسرائيلية وأميركية منع حدوث هجوم مثل “طوفان الأقصى”، وليس التسبب فيه وتمويله عبر تمويل سلطة حماس في غزة.

تتجلى الورطة القطرية في أن لا أحد من البلدان العربية المؤثرة يبادر لمد اليد ومساعدة قطر في مفاوضات الهدنة. البيانات الدبلوماسية السعودية التي تحث على الهدنة لا تختلف عن بيانات نقرأها تصدر عن بلد أوروبي. بقية دول الخليج تتعاطف مع الفلسطينيين وتمد لهم يد المساعدة الإنسانية، لكنها تتوقف عند هذا الحد ولا تفكر بتطوير موقف عربي موحد يساعد في جهود الهدنة. مصر موجودة بحكم أنها بوابة غزة لا أكثر. أما بقية العرب فينظرون ويرون قطر وقد غرزت في طين صنعته بيدها.

حماس نفسها حاولت طرق أبواب طهران وأنقرة، وشاهدنا زيارات زعيم حماس إسماعيل هنية التي بدأت اسميا بالبحث عن دعم للفلسطينيين في غزة، ووصلت اليوم إلى مرحلة العثور على ملاذ سياسي آمن للحركة بعد أن تقرر قطر أن “لا وساطة” تعني أن “لا حماس في الدوحة”. حماس تعرف أن اللعبة انتهت، ولهذا ترمي بالمبادرات عن نزع السلاح والدولة الفلسطينية والاكتفاء بلعب دور سياسي. ما وصلت حماس إلى هذه القناعة إلا بعد أن فهمت أن القطريين يسعون للتملص من مسؤولية أفعال حماس، وإخراج قيادتها من الدوحة إلى بلد لجوء جديد.

تعلمت قطر فعل الظهور ولم تتقن فن الاختفاء. كان من الضروري أن توظف مستشارين إيرانيين أو أتراكا يحسنون هذا النوع من ألعاب السحرة.

المصدر: العرب

الكاتب: د. هيثم الزبيدي

قد يعجبك ايضا