قصة الوساطة القطرية

كشف تأكيد قطر استمرار دورها في ملف الوساطة بين إسرائيل وحركة حماس، أنها حققت هدفها من إشارتها السابقة حول إعادة تقييم دورها، وهو ممارسة ضغط على الحركة بطريقة غير مباشرة، حيث أُسقط الدور في يد قادة حماس المقيمين على أرضها وأصبح عليهم البحث عن ملاذ آمن، بالمعنى السياسي، وفي ظل رسائل جس النبض تيقنت الحركة أن الدوحة أكثر ملاءة من أي مكان آخر في هذه المرحلة.

كما أن قطر نفسها، إذا فقدت ورقة الوساطة بين إسرائيل وحماس سوف تخسر الكثير من ملامح سياستها الخارجية في المنطقة، وكانت الورقة الفلسطينية ممثلة في حركة حماس جزءا مهما من مكوناتها، الأمر الذي ظهرت تجلياته في العقدين الماضيين.

وكررت الدوحة أن فتح مكتب لحماس بها تم بالتنسيق مع واشنطن، في إشارة إلى أن تحركاتها في ملف حركات الإسلام السياسي عموما لم تجتهد فيه من تلقاء نفسها.

وأسفر اللغط والإثارة والتقديرات المتضاربة عن مكاسب للدوحة، وبدت المستفيد الأول منه أخيرا، فقد أوحت أنها زاهدة في الوساطة، أو على الأقل تستطيع التخلي عنها، ما أربك حسابات الولايات المتحدة التي عليها أن تبحث عن راع آخر بذات الدرجة من المواءمات، وإسرائيل التي تثق في قطر أكثر من غيرها في هذه المهمة واختبرتها مرات عدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها، وتيقنت تماما من الوثوق بها بما يتجاوز أي دولة عربية أخرى.

علاوة على أن حماس التي كانت ستواجه أزمة سياسية في الانتقال إلى مكان آخر لن يوفر لها أصحابه ما وفرته الدوحة على مدار سنوات، وهو أكبر من عملية الوساطة والإقامة، ويتعلق بالتفاهمات المتشابكة بين الحركة وإسرائيل.

قامت مصر بأدوار مركبة لوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بالتعاون مع قطر، وبذل الجانبان جهدا كبيرا لعقد صفقة تبادل الأسرى وإنهاء المأساة الإنسانية التي يكابدها الفلسطينيون، لكن عقبات عدة حالت دون إتمامها الفترة الماضية، وهو ما جعل الحديث يتواتر في بعض الدوائر السياسية للتشكيك في دور كل من القاهرة والدوحة بحجة عدم ممارسة ضغوط كافية على حماس أو دعم الحركة لوجستيا.

تجاوزت القاهرة بعض العراقيل السياسية التي تفننت إسرائيل في وضعها أمامها الفترة الماضية بهدف إحراجها ومواصلة الحرب إلى أقصى مدى، واستفادت مصر من خبرتها الطويلة في التعامل مع مناورات إسرائيل وتخطي الكثير من المطبات الأمنية والإنسانية التي وضعت في طريقها، وفرضت الجغرافيا السياسية طقوسها التي أكدت أن مسألة تنحيتها عن القيام بدور في صفقة الأسرى عملية في غاية الصعوبة.

بدا الوضع مختلفا بالنسبة إلى قطر التي تعرضت لضغوط من أعضاء في الكونغرس الأميركي ومسؤولين كبار في إسرائيل لإبعادها عن الوساطة بذريعة علاقتها القوية بقيادات حماس واستضافتها لهم على أراضيها، ومع أن الدوحة بررت الاستضافة بأنها تمت بالتنسيق والتفاهم مع واشنطن ولأغراض سياسية محددة، غير أنها لم تسلم من ممارسة المزيد من الضغوط ما دفعها إلى الإعلان عن تقييم دورها.

كانت هذه الكلمة (التقييم) هي العقدة والمفتاح أيضا الذي سهّل الطريق للدوحة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وحماس، وضغطت به لأجل تليين مواقف الجهات الثلاثاء كي تقبل بممارسة دورها وفقا للآلية التي عملت بها سابقا.

قبل أن تنتهي الدوحة من عملية التقييم، تناثرت اجتهادات مرتبكة حول الدولة التي يمكن أن يتجه إليها عدد كبير من قادة حماس للإقامة فيها، باعتبار أن الرؤية القطرية الجديدة انطوت على تلميح بعدم تمديد الإقامة لهؤلاء مستقبلا، وأشارت وسائل إعلام أميركية إلى دولتين يمكن أن يلجأ إليهما قادة حماس بعد قطر، ما عزز القناعات بأن مرحلة الدوحة على وشك الأفول، كما أفلت من قبل مرحلة دمشق.

ذُكرت أسماء دول عدة يمكن أن يقيم بها قادة حماس بديلة عن قطر، بينها تركيا وإيران والجزائر واليمن وسلطنة عمان، ولكل منها مزايا وعيوب سياسية، فأحد أهم شروط الإقامة في هذه المرحلة أنها ترتبط بالقيام بدور حيوي في الوساطة لعقد صفقة الأسرى أو غيرها من الصفقات السياسية، ما جعل كلاّ من إيران واليمن والجزائر نظريا خارج المنافسة في هذه العملية لأسباب تتعلق بإنحيازات لحماس وصعوبات في نقل الرسائل منها وإليها من إسرائيل والولايات المتحدة، كما أن سلطنة عمان المعروف عنها دبلوماسيتها الناعمة من الصعوبة أن تكبل نفسها بقيد قد يتسبب في إحراجها.

بقيت تركيا الجهة الأكثر استعدادا لتكون بديلا عن قطر في الإقامة والوساطة أو إحداهما، فهي بالفعل تستضيف قيادات وكوادر من حماس حاليا، لكن نجاحها في تعبيد الوساطة مشكوك فيه، إذ شهدت علاقاتها بإسرائيل توترا، وصل حد استخدام ألفاظ عنصرية تشكك في قبولها كطرف يستطيع تفكيك العقد بين إسرائيل وحماس.

الواضح أن ما قامت به الدوحة من مواءمات سياسية واقتصادية في علاقاتها بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وحماس من جهة أخرى، يصعب أن تقوم به أنقرة أو يؤهلها لدور الوساطة، فقد استمدت قطر دورها في ملف غزة من علاقة تاريخية بالأطراف الثلاثة مكنتها من بناء رصيد إيجابي جعل تلك الأطراف تميل إليها وتفضلها.

ولعبت شبكة الجزيرة دورا مهما في هذا المضمار، وأحدثت توازنا في التعاطف الظاهر مع الفلسطينيين والمصالح الخفية مع الإسرائيليين، ساعدت الدوحة على أن تبدو قريبة من الجميع، ووجد كل طرف فائدة معينة في تدخلها.

إذا كانت تركيا تفتقر للمواءمات التي تتسق مع ما تريده إسرائيل والولايات المتحدة، ومن المستبعد أن تكون وسيطا غير منحاز لرؤية حماس، فإن دورها في غزة سيظل محصورا في نطاق الشد والجذب مع تل أبيب، والتعاطف مع فصيل من الفلسطينيين، ما يعني التقليل من أهمية الربط بين إقامة قيادات حماس على أراضيها والوساطة، فهناك قيادات تقيم في تركيا أو تتردد عليها منذ فترة طويلة ولم تلعب أنقرة دورا رئيسيا في أي مرحلة، وكل محاولاتها للتقريب بين الفصائل لم يكتب لها النجاح.

من الصعوبة القول إن الإقامة هي التي منحت قطر دور الوساطة والاستمرار في التواصل، فمصر لعبت دورا في تهدئة الأوضاع في غزة والمصالحة بين الفصائل الفلسطينية منذ فترة ولا تقيم بها قيادات حماس أو أي حركة أخرى إقامة دائمة، ما يشي بأن الوساطة لها معايير لا تتعلق بعنوان محل الإقامة، ولا تقاس بكثافة الظهور الإعلامي وصخب الخطاب، بل بالمكانة والتأثير وتراكم الدور والاحتياج والجغرافيا السياسية، وهو ما تفتقر إليه أنقرة، ما يجعلها بعيدة عن فكرة التدخل بالوساطة.

الكاتب: محمد أبوالفضل

المصدر:  العرب

قد يعجبك ايضا