قصة الإرث النضالي لجدة الشيوعية و أم النسوية ومؤسسة اليوم العالمي للمرأة كلارا زتكن

للمرأة عبر التاريخ مسيرةُ نضالٍ طويلةٌ ومستمرّة إلى الآن سعَتْ فيها إلى تحصيلِ حقوقِها المسلوبة من قبل الأنظمة الاجتماعية الأبوية…

مع تبلور الرأسمالية في أنظمة الحكم السياسية أصبح هذا النضال حَكراً على النساء من الطبقة البرجوازية اللاتي لم يولين اهتماماً بتحصيل حقوق النساء العاملات بالرغم من أنهن الفئة الأكثر تضرراً من الرأسمالية والأكثر تحمّلاً لمشقتها بعد قيام الثورة الصناعية.

في المقابل عندما ارتأى منظرون مثل ماركس وإنجلز لمواجهة النظام الرأسمالي بنظام اشتراكي يعتمد على قوى العمال الذين أسموهم بالبروليتاريا تشكلت الأحزاب والقوى السياسية التي آمنت بهذه الفلسفة.

ولحسن الحظ، جاء التاريخ بامرأة آمنت بقوة العاملات وعملت على تنظيمها وفقاً لمبادئ الشيوعية والاشتراكية هذه ورسمت وَفقها مسارَ تحرُّرِ المرأة، إنها كلارا زيتكن التي تصادف اليوم ذكرى وفاتها التسعين.

كلارا جوزفين إيسنر، وُلدت في قرية فيدراو بولاية سكسونيا بألمانيا عام 1857 لأب يدين بالمسيحية البروتستانتية ووالدة فرنسية.

كلاهما والدتها ووالدها كانا متعلمين لذا كان من البدهي أن تكون الابنة البكر مهتمة بالتعليم وتلقت تعليمها في كلية لايبزيغ للمعلمات البنات بعد انتقال عائلتها إلى لايبزيغ عام 1872.

في لايبزيغ وإلى جانب التعليم بدأت تتكون أولويات جديدة لكلارا التي تأثرت بأمها ومعلمتها المنتميتين إلى النسوية البرجوازية.

رغم ذلك وجَّهت كلارا اهتمامها النسوي في مسارٍ آمنت بصحته من منظور يختلف عمّا اتبعته أمها ومعلمتها.

بعد أن تعرّفت كلارا على صديقها الذي أصبح شريك حياتها لاحقاً أوسيب زيتكن الشاب الروسي الماركسي الذي عرّفها بالاشتراكية، انخرطت بالحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا، حيث كرّست وقتها للحضور والمشاركة في فعالياته وحاولت من خلال وجهة النظر الاشتراكية السعي إلى تنظيم المرأة وإحداث ثورة حقوقية من أجل تحررها.

أول مطب واجه كلارا وحزبها هو حظر نظام بسمارك للنشاط الاشتراكي في 1878فنفيت هي وصديقها إلى باريس.

في المنفى حيث تنقلت كلارا كثيراً تمكنت من بناء علاقات صداقة كثيرة عرّفت من خلالها الناس بالشيوعية والاشتراكية ودورهما في تحرير المرأة.

في عام 1889 خسرت شريك حياتها ووالد ابنيها أوسيب زتكن لكنها استمرت في العمل مع المنظمة الاشتراكية الدولية وحملت لاحقة شريكها وعرُفت بكلارا زتكن.

طوال فترة عملها في المنفى درست كلارا الصحافة وسخرت ذلك في نشاطها الحزبي الذي ركزت فيه على موضوعات متعلقة بقضية مناهضة تعنيف المرأة والدفاع عن المرأة المضطهدة إذ حررت ورقة الحزب للنساء “دي غلايشهايت”.

بعد عشرة أعوام في المنفى عادت كلارا إلى ألمانيا لمزاولة نشاطها الحزبي فأسست عام 1891 صحيفة الحزب الديمقراطي الاجتماعي للنساء باسم صحيفة “المساواة ” والتي ترأستها لـ 25 عاماً.

“الطبقة العاملة لا تستطيع بلوغ انعتاقها إلا إذا ناضل كل ابنائها معاً دون تمييز حسب الجنس” كلارا زتكن

 

بعد إصرار كلارا على اقتراحها في تنظيم النساء العاملات الذي طرحته في مشاركتها بالمؤتمر التأسيسي للأممية الثانية في باريس

خلال أيلول/سبتمبر من عام 1889/ عقدت أول مؤتمر نسوي اشتراكي دولي مع المنظرة والفيلسوفة الاشتراكية روزا لوكسمبورغ في عام 1907. وفي العام ذاته تزعمت مكتب المرأة الذي تشكل من رحم الحزب الديمقراطي الاشتراكي.

“المرأة العمالية تناضل يدا بيد مع رجال طبقتها ضد المجتمع الرأسمالي” كلارا زتكن

فصلت كلارا مبادئ وأهداف الحركة النسوية التي عزمت تنظيم قواها تماماً عن النسوية البرجوازية السائدة آنذاك معتبرة أن السبب الرئيسي وراء تدني وضع النساء منذ أكثر من ألف عام هي علاقات الملكية والطبقية.

انطلاقاً من ذلك خطبت كلارا بالنساء طالبة منهن توجيه نضالهن نحو تحصيل الحق في العمل والإجازة المدفوعة لرعاية الأطفال والتسهيلات المجانية للعناية بالأطفال وحق التعليم وألا يحصرن نضالهن في المطالبة بحق الاقتراع فقط الذي تركز عليه النسويات البرجوازيات بغية الوصول إلى السلطة.

في المؤتمر الثاني للحركة النسوية الاشتراكية الذي عقد في كوبنهاغن عام 1910، اقترحت كلارا زيتكن تخصيص يوم الثامن من آذار/مارس يوماً عالمياً للمرأة، فانتشرت المظاهرات في أكبر المدن الأوروبية احتفالاً بيوم المرأة العالمي واستمرت حتى في أثناء الحرب العالمية الأولى.

“بهذه الإرادة الصريحة والمهمة للبروليتاريا العالمية، لا يجوز للمرأة الاشتراكية أن تغيب كما هو الحال في الحرب المقدسة ضد الحرب”. كلارا زتكن

بالإمكان القول إن الحياة السياسية لكلارا زتكن تطورت مع توجه المناخ الدولي نحو اندلاع حرب عالمية وهو ما رفضته كلارا وبعض من رفاقها الاشتراكيين.

وكان تنظيم كلارا للمؤتمر الدولي للمرأة الاشتراكية المناهضة للحرب في برلين عام 1915واحداً من أهم الأنشطة الأخرى التي قامت بها تعبيراً منها عن مناهضة الحرب.

الخيبة جاءت عندما بدأت الحرب العالمية الأولى وتباينت مواقف الأحزاب الاشتراكية حيالها إذ أصبحت أغلب الأحزاب تدافع عن الدولة الرأسمالية البرجوازية المحاربة التي تعيش في كنفها.

انحلت الأممية الاشتراكية بأكملها مما أدى إلى انحلال الحركة النسائية الاشتراكية الأممية أيضاً إلى مكوناتها الوطنية.

 

أثار ذلك سخط كلارا زتكن التي أسست الحزب الديمقراطي الاجتماعي المستقل في ألمانيا بعد انفصالها عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي عام 1917 احتجاجاً منها على موقفه المؤيد للحرب ومواقفه الهزيلة أمام معالجة قضايا المرأة.

مع تأسس الحزب الشيوعي الألماني في كانون الثاني/يناير في عام 1919 بعد الثورة الألمانية في تشرين الثاني/نوفمبر، انضمت كلارا أيضًا إلى هذا الحزب ومثلته من عام 1920 حتى عام 1933 في الرايخ الألماني.

نظّمت مقابلة مع لينين دار موضوعها حول مسألة المرأة في عام 1920و ترأست أمانة دولية للنساء أنشأتها الأممية الشيوعية في تشرين الأول/أكتوبر في العام نفسه.

أصبحت كلارا عضوًا في المكتب المركزي للحزب الشيوعي الألماني حتى عام 1924، وعضوًا في اللجنة المركزية للحزب من عام 1927 حتى عام 1929.
كما كانت عضوًا في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية من عام 1921 حتى عام 1933.

في عام 1932 وعندما تجددت عضويتها في البرلمان الألماني كانت كلارا أكبر الأعضاء سناً ومنحها عمرها حق افتتاح الدورة البرلمانية بكلمة بدأته بهجوم مدته 40 دقيقة على هتلر والحزب النازي وممارساتهم.

وكان الأمر حينها شجاعة منقطعة النظير من كلارا إذ جاء خطابها في وقت ندرت فيه المعارضة السياسية.

استفز ذلك أدولف هتلر زعيم ألمانيا فحظر الحزب الشيوعي الألماني مما دفع بكلارا زتكين للذهاب إلى المنفى للمرة الأخيرة، وهذه المرة قصدت الاتحاد السوفييتي حيث توفيت هناك عن عمر ناهز 76 عامًا.

حضر جنازة كلارا التي دفن رمادها في جدار الكرملين، كبار الشيوعيين من جميع أنحاء أوروبا بما في ذلك جوزيف ستالين وأرملة لينين.

كلارا أصبحت بطلة مشهورة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) بعد عام 1949، وكان لكل مدينة رئيسية شارع يحمل اسمها.

لعل اليوم ملايين النساء لا يدركن أنهن مدينات لسيدة عاشت خلال القرن الماضي كان لها الدور الأبرز في تحسين صورة مستقبلهن اليوم ليصبحن إداريات في العمل وسياسيات بارزات ويحصلن حقوق عدة لم تبلغ بهن المساواة لكنها وضعت لهن حجر الأساس من أجل النضال.

إلى نساء اليوم هذه كانت قصة الإرث النضالي لجدة الشيوعية وأم النسوية ومؤسسة اليوم العالمي للمرأة كلارا زتكن.