غطس ولم يعد!

كثيراً ما نردِّدُ نكاتٍ بلهجاتٍ ولغاتٍ عدّة معناها المضحك واحد. قد يكون القرّاءُ الكرامُ قد سمعوا نكتةَ “من عطس؟”. سأسردها بإيجاز قبل أن أحدثكم على “من غطس؟”.
يحكى أنّ طاغيةً أرادَ أن يخدعَ العالم وشعبه بزعمه أنّه من رعاةِ الديمقراطية. فأمر -قدس الله سره- بتنظيم انتخابات تفرز مجلساً نيابيّاً وفقَ هواهُ أهمّ سماته الطاعة العمياء لعظمته وفخامة سيادته. إلى أنْ جاءَ يومُ الاستماعِ إلى خطبتهِ القراقوشية العصملية العصماء، عطسَ أحدهُم!؟ فانقطعَ حبلُ أفكارهِ وقد خرجَ عن النصّ، فصاحَ: من عطس؟ خافَ النوّابُ فرُبِطت ألسِنتُهم، فأعادَ الكرّة: بعدَ أنْ قامَ برشِّ صليّاتٍ من النارِ على الصفِّ الأماميّ, هكذا بلغَ الجنون فيهِ, إبادة مجلسهِ الموقرِّ عن بكرةِ أبيه باستثناء عضوين فقط! دبَّ الخوفُ وسَرَتِ الحكمة وشيء من الشجاعة بين العضوين، فتشاورا همساً ريثما كان السلطان يعيد تلقيم رشاشه: قال النائبُ لزميلهِ، لم لا ينهضُ أحدنا مُقِرّاً بعطستهِ، فينجو الآخر ويحدّث العالم عمّا جرى. تمّ الاتفاقُ وقامَ أحدهم متثاقلًا، وقالَ أنا يا سيديّ من عطس. فما كانَ من لدن القائد الحاني – دام ظلّه الشريف – إلا أنْ قالَ: يرحمكم الله! للأمانةِ سمعتُ هذهِ النكتة برواية سودانية أيام عمر البشير الرئيس المؤمن (أبو العصا كتلك المعروفة في التراث بدرّة عمر) وليس أيام السلطان أردوغان!
ما لنا ولهما، فالمصير واحد..
أما من “غطس ولم يعد” -عنوان المقالة – فكان أحد ألواحي الذكية، هاتفي النقّال الذي أطاحت بهِ ريحٌ خريفية واشنطنية، فألقت بهِ إلى قاعِ بحيرةٍ قربَ منزلي أخصُّها برياضةِ المشي البطيء والسريع وقليلٍ من الهرولةِ حولَ جانبٍ من شواطئِها، وصيدِ ما فيها ممّا لذَّ وطابَ من أسماك.
خرجت يومها مسلّحاً بصنّارتَي صيدٍ وضعتهما على جانب مقعدي النقّال وهو من النوعِ المُصمّمِ على نحوٍ يخفّف من حملهِ بعد طيّه وتعليقهِ على الكتف. لهذا “الكرسي” مكان مخصّص لكوب عن اليمين، وفتحة على يسارِ الجالس خاصّة بالألواحِ الذكيّة صغيرة إلى متوسطة الحجم. اهتزت صنارتي بقوّةٍ فقمتُ فرحاً مستبشراً بسمكةٍ من الحجم الكبير. لكنّ ريحاً قويّةً هبّت فطارَ الكرسيُّ بما حمل. لم يكن عن يميني كوب بل كتاب صغير. ثبت الكتاب وطار اللوح الذكي – وبقدرة قادر – اخترقَ سياجُ الأمانِ للصيادين ومرقَ كالسّهمِ بين قضبان الألمنيوم وغطس باستدارةٍ حلزونيّةٍ بهلوانيّة إلى قاعِ البحيرةِ تحت مرسى قوارب التجديف هناك حيث كنت أنوي قضاءَ ما تبقّى من نهارِ عطلتي في حال أنْ عُدتُ بِخُفَيّ حُنيَن بلا سمكٍ ولا حسك!
باختصار هبّةُ خريفٍ على ضفافِ بحيرةٍ هادئةٍ وادعة وديعة، طارَ فيها الكرسيّ، ثَبُتَ الكتابُ وغطس اللوح ولم يعد! انتهت الحكاية..

 

الكاتب: بشار جرار

قد يعجبك ايضا