عفرين وترهونة ومن بعدها حفتانين

يستميت اردوغان منذ بداية ما سمي بالربيع العربي أن ينفذ ما هو مطلوب منه من قِبل قوى المهيمنة العالمية وبنفس الوقت تحقيق أوهامه في عثمنة المنطقة من جديد وفق خرائط قديمة جديدة يعمل على رسمها بعنجهيته وطغيانه واستكباره وكأن لا أحد في المنطقة يستطيع إيقافه عند حده. إنها ديدن الاستبداديين الذين يؤمنون بأن بمقدورهم عمل كل شيء ولا أحد سيوقفهم ما داموا يَرَونَ كيف أن العبيد من المرتزقة والإرهابيين تسجد له وكأنه الإله أو الصنم الذي صنعوه بأيديهم، ويعمل اردوغان إلى إعادتنا لعصر ما قبل الجاهلية ويريدنا أن نتعبده وندور حوله كأنه هو مركز الكون، طبعًا علينا ألا ننسى كهنة الدين المعاصرين الذين يدعون الدين ويبايعون اردوغان على أنه خليفة المسلمين من دويلة قطر.

مرحلة من الجاهلية المعاصرة نمر بها ويريدوننا ان نعيشها بتفاصيلها الدقيقة من أن يحولون البشر إلى مجرد عبيد لا حول لهم ولا قوة، وكذلك مرتزقة يحاربون باسم الصنم اردوغان الذي يتعبدونه ويحملون راية النفاق تحت اسم الدين طبعا، نرى بأن الإرهابيين والمرتزقة يأتون لتركيا من كل فجٍ عميق ومنها إلى سوريا سابقًا والآن إلى ليبيا.

هو السيناريو نفسه يتم تنفيذه بمباركة دولية وإن لم يتعدَ اعتراضها بيانات التنديد الشكلي والمباركة الضمنية على ما يقوم به. بدأها اردوغان بتدخله السافر في شمالي سوريا وخاصة مع احتلاله لعفرين وتهجير أهلها في مارس 2018، طبعًا تم ذلك بتواطئ روسي واضح وضوء أخضر امريكي ضمني وتخاذل من النظام السوري، والنتيجة كان احتلال عفرين بعد 58 يومًا من المقاومة التي سطرها أهل عفرين بكل شجاعتهم أمام أعتى آلة عسكرية تدميرية للناتو ولم يستطيعوا أن يحتلوها إلا بعد أن سمحت موسكو لاردوغان باستخدام المجال الجوي ويحول عفرين إلى أرض محروقة، ورغم ذلك لم يتركها ثوار عفرين واحة للمرتزقة بل هم فيها مقاومين حتى الآن. هو نفس السيناريو باحتلاله ترهونة يونيو 2020 بعد سنتين قام به أردوغان أيضًا بمباركة وتواطئ موسكو وضوء أخضر امريكي ضمني ومرتزقة ليبيين ارتهنوا لاردوغان وأقسموا أن يبيعوا وطنهم بسعر بخس يساعدهم في ذلك مرتزقة من سوريا بعد أن باعوا ثورتهم أيضًا بأبخس الأثمان.

الآن يقوم اردوغان ومنذ الشهر تقريبا بهجماته على إقليم جنوب كردستان (شمالي العراق) سعيًا منه لاحتلال وقضم المزيد من الأراضي في ظِل الصمت الخجول العربي وتواطئ قوى الهيمنة العالمية مع اردوغان.

إنها هذه المرة منطقة حفتانين (بهدينان وبوطان) الواقعة في أقصى الشمال الغربي من جغرافية العراق وهي نفسها الاحداثيات بالنسبة لعفرين الواقعة في اقصى الشمال الغربي لجغرافية سوريا وهي نفسها الاحداثيات لترهونة الواقعة في الشمال الغربي من جغرافية ليبيا. إنها لعنة الجغرافيا التي جعلت من هذه المدن المحطة الأولى لاردوغان كي ينفذ أوهامه في عثمنة المنطقة اسميًا ولكن على أرض الواقع أنه ليس له أية علاقة لا بالتاريخ ولا بالجغرافيا مطلقًا، لأنه بالنهاية ما هو إلا أداة يتم استخدامها بكل براعة من قبل قوى الهيمنة حتى تنتهي مهمته ويتم رميه في أقرب مزبلة من مزابل التاريخ والجغرافيا في آنٍ معًا.

حفتانين التي هي امتداد طبيعي لمنطقة بوطان الواقعة في الجنوب الغربي لجغرافية ما تسمى (تركيا). هذه البقعة الجغرافية من مشرق المتوسط لمن لم يسمع بها أو لا يعرفها بمقدورنا ولو ببضع كلمات أو سطور أن نعرفه عليها، كي يعلم أن اردوغان لن ينجح في احتلاله لها.

أنه التاريخ والجغرافيا حينما يجتمعان يكوِّنان مع بعض الحقائق الإنسانية التي لا يمكن لأي طرف التغاضي عنها وكأنها غير موجودة. إنها المنطقة التي استقرت عليها سفينة سيدنا نوح منذ آلاف السنين على جبل الجودي والذي يرفع رأسه شامخًا فوق مرتفعات وسهول حفتانين وبوطان. كيف لهذا المعتوه (كما وصفه ترامب) والخبيث (كما وصفه نيشان اللبناني الأرمني الأصل) والقرصان كما يصفه كاتب هذه السطور، كيف له أن يمحي هذا الحدث الكبير من تاريخ الإنسانية. إنها المنطقة التي بدأ فيها البشر في الاستقرار بعد الطوفان ومنها انتشرت باقي العلوم والمعرفة، بعد أن تم لعنة قوم نوح لأنهم كانوا يعبدون الأوثان والأصنام مثلما الآن من جعل من نفسه إلهًا وصنمًا كأردوغان وأمثاله من آلهة الهيمنة الرأسمالية، وأن الشعب الكردي يعيش في هذه المنطقة بالتحديد منذ ذاك التاريخ الذي لا يمكن لأحد أن يمحيه لا من ذاكرة البشر ولا من الذاكرة والحافظة الإنسانية والبشرية، وإلا، لا معنى حينها للطوفان ولا لبدء الحياة من جديد ولا معنى للأديان كلها على بعضها.

حفتانين الموطن الأول لاستقرار الانسان بعد الطوفان كيف لهذا المتجبر والطاغي أن يحتلها ويشرد أهلها ويهجرهم كما فعل في عفرين وترهونة المحتلتين. طبعًا إن كان للتاريخ حقيقة مخفية وللجغرافيا مصداقية، حينها سيكون الحق هو المنتصر وليس النفاق. وأن الحق مع أصحاب هذا المكان والجغرافيا التي يعيشون عليها وهذه المنطقة بحدِ ذاتها تعيش فيهم منذ بعد الطوفان وحتى الآن، لكن اردوغان لقيط التاريخ وابن اللا مكان لن يستطيع أن يستمر في استبداده واحتلاله المدن والمناطق كيفما يريد.

ربما يكون تهوره الآن في حفتانين وبعدها في الجفرة وسرت هي بداية نهاية هذا اللقيط والقرصان الذي لم يعرف ولا يدرك معنى حقيقة التاريخ والجغرافيا. ولربما إذا أمر اردوغان مرتزقته وارهابييه بالهجوم على الجفرة وسرت وبنفس الوقت يقوم من تبقى من ثوار ليبيا الذين لم ينسحبوا من ترهونة بالهجوم في الجبهة الخلفية، حينها ستكون الضربة القاصمة لأردوغان ولأوهامه ولربما تكون بداية لتحالف مصري كردي للقضاء على هذا المعتوه وتتحرر الشعوب منه.

الكاتب: محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد

قد يعجبك ايضا