عفرين.. لَنَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِيّنْ

ثلاث سنوات تمر على احتلال مدينة عفرين من قبل الجيش التركي الفاشي ومرتزقته الانكشارية المتعددة الجنسيات والدين الواحد مع قراءة سورة “الفتح”، من قبل شيوخ السلطان العابدون للمال والسلطة والطاغوت وبتكبيرات “الله أكبر”، في صراخ حقٍ يراد به احتلال باطل.

كان ذلك أمام مرأى العالم أجمع وهم يشاهدون ويسمعون كيف يتم اغتصاب مدينة كانت ملجأً لآلاف النازحين من عموم الجغرافيا السورية أو ما تبقى منها في ظل النظام الذي لا همَّ له سوى الحفاظ على سلطته ولو على حساب مدنه وشعبه.

لعبة الأمم والمصالح كانت بكل وضوح في عفرين هي العنوان الفاقع ما بين الأصدقاء الأعداء التاريخيين ما بين انقرة وموسكو وواشنطن، مع بلادة عواصم أخرى لم تكن سوى شاهد زور على احتلال هذه المدينة.

في السياسة وحينما تكون لعبة المصالح هي الأساس في العلاقات فيما بينها، بكل تأكيد لن يكون هناك سوى التجارة والبيع بأبخس الأثمان لكل شيء كرمي لعيون تلك المصالح التي اعتلت وفق حسابات الأنظمة الشمولية فوق الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية وحتى المجتمعية منها.
وربما يكون كل ما نعيشه الآن من حالة فوضى مستشرية من كافة النواحي في منطقتنا.

وخاصة ما نراه من أفول وخراب بعض البلدان والدول ما هي إلا نتيجة حتمية لتلك المصالح المنفعية التي هي أساس اللعبة التي تتم ما بين الأمم القوموية والدينية في المنطقة. قوى الهيمنة التي جعلت من نفسها وصيًا على الدول والشعوب تحت مسميات الشرعية الدولية واللصوص الخمس في مجلس الأمن الذين لهم فقط الحق في قول وتنفيذ أو رفض ما يرونه مناسبًا لمصالحهم النفعية.

مؤسسات دولية وشرعية كما يدّعون بُنيت بالتوافق ما بين القوى المنتصرة بُعيد الحرب الكونية الثانية، والتي وظيفتها فقط الحفاظ على التوازن فيما بين تلك الدول فقط والتوازنات العالمية والمناطق النفوذ التابعة لكل منها. الآن وبعد عقود نرى أنه لم يتبقى لتلك المؤسسات الشرعية التي كانوا يدعونها منذ ذاك الوقت. كل قراراتها لا تخص الشعوب والمجتمعات، وكل تلك القرارات يتم تنفيذها بالقوة على المجتمعات التي لا تعترف فيها بالأساس.

الذي سقط ليست عفرين، بقدر ما كانت القوانين الدولية وما كانوا يتبجحون به بالشرعية الدولية التي بقيت صامتة وهي تنتهك قوانينها من قبل حراسها اللصوص من قوى الهيمنة والنفوذ العالمي والتي أرادت يومًا تقسيم العالم إلى شرقي يساري وغربي امبريالي.

لكن ظهر وبكل وضوح أن لا فرق بينهما وأنهما لا يمثلان سوى طرفي الكماشة التي تخنق أو تقضي على المجتمعات البشرية الآمنة.

عفرين بكل تأكيد تقاوم حتى الآن وشعبها رغم ما يلاقيه مستمر في أمله بالعودة يومًا إلى قراه وحقول الزيتون التي كانت ولا زالت تمنحه إرادة الأمل في العودة وتحريرها من المنافقين الذين باعوا مدنهم وأنفسهم لخليفتهم أردوغان وتحولوا لبنادق مأجورة ومرتزقة هدفهم المال الذي يسترون به عورتهم التي تلاحقهم أينما حلّوا.

ما أقرب أمس باليوم وكيف أن التاريخ يعيد نفسه وبنفس الأسلوب والهدف والطريقة.

إننا فعلًا نعيش التاريخ في لحظته ونُدرك يومًا بعد يوم أن ما حصل في الماضي يتكرر الآن، وأن التاريخ المكتوب الذي علموه لنا فيه الكثير من الأوجاع والآلام التي لا يمكن للأيام أن تمحوها. تاريخ ما زلنا نجتر تداعياته وكتبه وكلٌ حسب ما يريد أن يفهمه أو مصالحه السلطوية والمنفعية.
تشابه ملفت للانتباه ما حدث في عفرين وما كان في معركة صفين التي تقاتل فيها علي ومعاوية. في تلك المعركة تم رفع القرآن وفي معركة عفرين تم رفع غصن الزيتون وقراءة سورة الفتح، وما فعله الخوارج ذاك الوقت في اتخاذ موقف الحياد، هو نفسه ما فعله الخوارج في موسكو وواشنطن في معركة عفرين.

وفي وقتنا الحالي رجعت من جديد محاولات رفع التكبيرات وقراءة القرآن اثناء احتلال المدن من قبل جيش أردوغان الفاشي ومرتزقته من الانكشاريين، والهتاف والصراخ بأن لا حكم إلا لله، في استعادة مهينة ومقيتة للدين، وما هم إلا دعاة الدم والقتل. يهتفون ويكبرون باسم الله ليس حقنًا لإراقة الدماء ونشر السلام كما يفترون كذبًا على الله والشعوب، بل لإراقته وإهدار الأرواح وتدمير المدن والقرى واقتلاع الأشجار وسبي النساء واستحلال أموال الناس، وفي النهاية شرعنة الاحتلال باسم الدين لغايات سياسية انتقامية من الأنظمة التركية التي تتوجس من كل شيء اسمه كرديًا ولو كان في المريخ.
المنافقون من المرتزقة الاردوغانيين لا يكبرون باسم الله إلا في وجه المسلمين، بهدف التخويف والترويع والترهيب، وفى النهاية لم ينجحوا إلا في الإساءة إلى الدين ذاته وإلى نصوصه المقدسة، وإلى مجتمعاتهم والإنسان عمومًا..

في النهاية لن ينال هؤلاء المرتزقة سوى الذل والعار وما قاموا به ما هو إلا نشر الفوضى والقتل، حتى امتلأت جيوب بعض قادتهم وزعمائهم بالمال، وأُتخمت حساباتهم في البنوك، وهشت وابتسمت بعض الجهات الأجنبية لهم.
عفرين لم تسقط بل دخلها الساقطون والمنافقون. وبكل تأكيد أن المقاومين عنها لا هدف لهم سوى تحريرها من مرتزقة وهمج وسلاطين التاريخ والجغرافيا. وصبرًا عفرين يقولها المقاومون عنها “لننصرنك ولو بعد حين”.

الكاتب: محمد رسلان

المصدر: صدى البلد 

قد يعجبك ايضا