عبد الرحمن الشهبندر.. مسيرة نضال ضد الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي (ملف خاص)

تمر اليوم الذكرى الرابعة والثمانين لاغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر قائد ثورة عام 1925 التي عُرفت باسم ثورة الشهبندر ضد الانتداب الفرنسي، والتي تزامنت مع ثورة السويداء، بعد سنوات من الكفاح السياسي ضد الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي الذي أصدر حكم إعدام بحقه لبطولته في تكبيد القوات الفرنسية خسائر فادحة في غوطة دمشق.

في السادس من شهر تشرين الأول أكتوبر من عام 1879 وفي أحد أحياء العاصمة السورية دمشق ولد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، لعائلة وطنية، إذ كان والده صالح الشهبندر معروفاً
بوطنيته وبصفاته الإنسانية، ومواقفه المعادية لكل أنواع الظلم، إلا أنه توفي عندما كان الدكتور عبد الرحمن الشهبندر يبلغ من العمر ست سنوات فقط.

تتلمذ الشهبندر في صغره في حلقة وندوة المفكر الشيخ طاهر الجزائري، وتلقى تعليمه العام في العاصمة دمشق، ثمَّ انتقل لدراسة الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج عام 1906 عندما كان يبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، وبعد تخرجه اختارته الجامعة ليكون أستاذاً فيها لنبوغه وذكائه.

في عام 1908عاد الشهبندر إلى دمشق واتصل بالشيخ عبد الحميد الزهراوي، إثر حدوث الانقلاب العثماني الـذي قامت بـه جمعية الاتحاد والترقي التركية، وكان له دور كبير بتأسيس الأحزاب والجمعيات العربية في العاصمة دمشق مثل حــزب الحرية والائتلاف عام 1911، والجمعية الخيرية التي كانت امتداداً لحلقة مربيه الشيخ طاهر الجزائري.

وإزاء الظلم التي تعرض له السوريون من قبل حزب الاتحاد والترقي ومحاولاتهم تتريك المنطقة، تصدى الشهبندر رفقة مجموعة من الوطنيين الغيورين من بينهم ﺷـكري العسلي لهذه المحاولات، إذ طالما اشتهر الشهبندر بحملاته وخطبه للوقوف بوجه المستبدين والرجعيين.

فرّ الشهبندر الذي تولى رئاسة حزب الحرية والائتلاف في سوريا إلى العراق جراء سياسة الظلم والبطش التي اتبعها حزب الاتحاد والترقي وجمال باشا السفاح بحق أبناء سوريا، ومن هناك واصل نضاله وتولى تحرير جريدة الكواكب في مصر التي أصدرتها بريطانيا، ولما علم بنواياها بريطانيا الاستعمارية تجاه المنطقة قدّم استقالته.

عقد الشهبندر رفقة ستة من السوريين اتفاقاً للتعاون مع بريطانيا في الحرب العالمية الأولى مقابل أن تقدم بريطانيا المساعدة لسوريا في نيل استقلاها بعد الحرب للخلاص من الاحتلال العثماني الذي دام لأكثر من أربعة قرون، وأن كل بلد يفتحه الجيش العربي يبقى مستقلاً، فجاهر بالدعوة إلى الوقوف بجانب بريطانيا ومواجهة الأتراك والانفصال عنهم.

وبعد انتهاء الحكم العثماني لسوريا وإعلان الأمير فيصل بن تأليف حكومة تشمل سوريا وتعيين علي رضا الركابي لرئاستها، وانتهاء الحرب العالمية الأولى، ذهب الأمير فيصل نيابة عن والده إلى مؤتمر الصلح في فرساي والذي قرر إرسال لجنة تضم أعضاء من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة لاستفتاء الرأي العام في البلاد التي تحررت من الاحتلال العثماني، إلا أنها اقتصرت على الولايات المتحدة بعد رفض بقية الأطراف.

ولأن الشهبندر كان قد درس في الجامعة الأمريكية، فقد أوكلت إليه مرافقة لجنة “كينغ كراين” التي أوفدتها الولايات المتحدة لاستطلاع آراء الشارع في سوريا، فأوصل إليها مطالب الشعب في سوريا بتنفيذ الوعود التي قطعت من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، إلا أن توصيات اللجنة لم تلقَ آذاناً صاغية من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.

تولى الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وزارة الخارجية في حكومة هاشم الأتاسي التي شُكلت في أيار مايو من عام 1920، إلا أنها لم تدم طويلاً، ففي العشرين من تموز من العام ذاته رضخ الأمير فيصل بن الحسين لإنذار غورو، ودخول الجيش الفرنسي إلى سوريا، على الرغم من معارضة كل من وزير الحربية يوسف العظمة وعبد الرحمن الشهبندر.
فرض الحاكم العسكري الفرنسي الجديد غوابيه شروطاً قاسية على البلاد، فَشُكلت المحاكم العسكرية التي أصدرت أحكام إعدام بحق عدد من الوطنيين، من بينهم عبد الرحمن الشهبندر بالإضافة إلى مصادرة أمواله، مما اضطره إلى الفرار إلى خارج البلاد.

واصل الشهبندر كفاحه السياسي من مصر، مما أجبر فرنسا على إسقاط أحكام الإعدام التي صدرت بحق الشهبندر وغيره من الوطنيين، فعاد إلى سوريا، وبعد تصاعد المظاهرات عمدت فرنسا إلى اعتقال الشهبندر ورفاقه، ثم نقلتهم إلى سجن القلعة بعد إضرابات قام بها الدمشقيون، إلا أن تصاعد حدة الغضب أجبر فرنسا مرة أخرى على الإفراج عنه.

وبعد ذلك أسس الشهبندر حزب الشعب، وكان له دور في الثورة السورية الكبرى التي انطلقت شرارتها من السويداء، إذ كان الشهبندر أحد المخططين والموجهين لها، فقد أجرى مباحثات مع رجال الجبل من أجل توسعة نطاق الثورة لتشمل مناطق أخرى في سوريا.

وبعد اجتماع قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش بالشهبندر، أطلق الأطرش بيانات يقال إن الشهبندر صاغها بنفسه وكانت بمثابة الإعلان الرسمي عن تفجير الثورة السورية الكبرى.

وبعد سنوات من العمل السياسي جرب الشهبندر الكفاح العسكري في ثورة عام 1925 التي عرفت باسمه في غوطة دمشق، كبد خلالها الفرنسيين خسائر كبيرة، بالإضافة إلى الاتصال مع قادة الثورات في سوريا في كل من حماة ودير الزور والسويداء وإدلب وغيرها من المناطق السورية التي اندلعت فيها ثورات ضد الفرنسيين.

وإزاء هذا الكفاح أصدره القاضي الفرنسي بحق عبد الرحمن الشهبندر حكماً بالإعدام، جاء في نصه: ” كان في وسع ذكائه وطاقته وفعاليته أن يقدّم خدمات حقيقية إلى وطنه، ولكنه، ثائر غير قابل للإصلاح…

وبعد صدور حكم الإعدام بحقه اضطر الشهبندر للتنقل سراً بين العراق والأردن وفلسطين وأخيراً إلى مصر التي قضى فيها نحو 10سنوات، وبعد عقد معاهدة الاستقلال عام 1936أُلغي حكم الإعدام الصادر بحقه فعاد إلى سوريا وواصل العمل السياسي رافضاً المعاهدة التي أُبرمت بين فرنسا وبعض الزعماء في سوريا، مشدداً على ضرورة نيل الاستقلال الكامل وجلاء الفرنسيين.

وفي السادس من تموز يوليو من عام 1940 اغتيل الشهبندر على يد أربعة رجال دخلوا إليه في عيادته بحجة أن أحدهم كان مريضاً، فأخذ الشهبندر يفحصه حتى وجه مسدساً صوب رأسه وأطلق النار عليه وفرّوا هاربين.

رافق مصرع الشهبندر شكوك أن الكتلة الوطنية كانت وراء ذلك، وتقبل الشارع هذه الشائعة لكون الشهبندر من ألد خصوم الكتلة الوطنية، واتُّهم أكبر زعمائها “سعدالله الجابري، ولطفي الحفار، وجميل مردم بك” باغتياله سيما بعد هروبهم إلى العراق.

كما وجّهت اتهامات إلى رجال دين أزعجهم فكر الشهبندر وحديثه عن قيمة العقل والفكر في الإسلام، وفيما بعد كشفت التحقيقات التي أجرتها السلطات الفرنسية أن مرتكبي الجريمة اعترفوا بجريمتهم معللين ذلك بأن الدكتور الشهبندر تعرّض للإسلام في إحدى خطبه، وقد حكم عليهم بالإعدام ونُفّذ الإعدام شنقا في فبراير 1941، بعد أن عقدت جلسة المحاكمة في قاعة مجلس النواب لتمكين الجماهير من الحضور.

دفن الشهبندر إلى جوار قبر صلاح الدين الأيوبي، قرب الجامع الأموي الكبير في العاصمة دمشق، ومهما يكن من أمر قاتله فإن فرنسا هي المستفيد الأكبر، إذ كان يتمتع الشهبندر بشعبية كبيرة داخل سوريا وخارجها، إضافة إلى ما ترتب على تلك القضية من انشقاقات كبرى داخل الكتلة الوطنية، فضلاً من شد انتباه الرأي العام السوري إلى مجريات المحكمة بدلاً من الانتباه إلى أوضاع البلاد الداخلية.

قد يعجبك ايضا