عامان على حكم طالبان… أفغانستان تتغير

ينقضي اليوم عامان على سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابول، التي تزامنت مع الخروج المبرمج للقوات الأمريكية من البلاد في الحادي والثلاثين من آب/ أغسطس عام 2021، إلا التقدم السريع لعناصر الحركة عجّل من أوان الرحيل مبكراً.

بين حقبتي حكم طالبان، تغيرت أفغانستان كثيراً، وباتت على النقيض عما تركته طالبان عام 2001، فحينها كانت البلاد تحكم بقبضة من حديد وربما أشد، فكل شيء ممنوع باسم الدين، والبلاد كانت منغلقة على نفسها، وسط فقر مدقع، وبرامج تنمية معدومة.

أما العشرون عاماً التي قضتها أفغانستان بعيداً عن طالبان فكانت الديمقراطية حاضرة، وإن كانت بنسبة قليلة، وتدفقت أموال المساعدات الدولية، وسمح بعمل المنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني، كما تقلدت المرأة في هذه الفترة مناصب قيادية، وظهرت على وسائل الإعلام، على عكس ما كان متبعاً في عهد طالبان.

ورغم مناشدات المسؤولين الأفغان لواشنطن بعدم الخروج من البلاد، إلا أنها نفذت ما أعلنته مسبقاً، لتبدأ مطلع آب/ أغسطس 2021 بإخلاء قواعدها المنتشرة في البلاد، وإجلاء جنودها من الأراضي التي دخلوها قبل 20 عاماً تقريباً من ذلك التاريخ.

ومع بدء عمليات الخروج، تقدمت حركات طلبان في عدة مناطق من البلاد، ومع تراجع الجيش الأفغاني، وتركه المدن دون مقاومة، توالى سقوط المدن والقرى الأفغانية تباعاً، وكأنها أوراق شجر في فصل الخريف، لتصل الحركة مشارف العاصمة في الخامس عشر من آب/ أغسطس.

الأفغان اعتقدوا أن العاصمة ستصمد ولو قليلاً، على عكس المدن الأخرى أمام زحف عناصر حركة طالبان، فما كان من معظمهم إلا التوجه إلى مطار كابول الدولي، والذي كان مسرحاً لأبشع المشاهد على الإطلاق.

إذ أظهرت مقاطع فيديو انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي كيف تسلق الأفغان أسطح الطائرات، وكيف تعلقوا بعجلات الطائرات، التي لم يأبه قادتها لهم، فأقلعوا بها، وهكذا بقي الكثير من الأفغان معلقين في السماء، على أمل النجاة من حكم طالبان.

الإطلالة الأولى لقادة حركة طالبان بعد سيطرتهم على العاصمة حملت الكثير من الوعود للشعب الأفغاني وللعالم كذلك، كان من أبرزها العمل على تشكيل حكومة من جميع الأطياف السياسية، مع الوعد بالسماح للمرأة بالتعليم والعمل، بالمقابل طلبوا من المجتمع الدولي الاعتراف بهم كحكام جدد وبرؤية جديدة تختلف عن الماضي لأفغانستان.

خلال عامين من حكم طالبان لأفغانستان، تدهور حال البلاد للحضيض، إذ تفرغت الحركة لاصطياد المعارضين السياسيين والناشطين المدنيين الذين باتوا هدفاً لعناصرهم، ما أدى لفرار الكثير منهم تحت تهديد القتل لهم أو لذويهم.

كل ذلك إلى جانب الظلم التي طال المرأة الأفغانية التي تعد أكبر الخاسرين من تسلم طالبان مقاليد الحكم في البلاد، إذ فقدت المرأة المكاسب السياسية التي حصلت عليها خلال العشرين السنة الماضية، وخسرت كذلك إمكانية الالتحاق بالمدارس بعد انتهاء المرحلة الابتدائية، وهي المرحلة التي سمحت طالبان للفتيات للتعلم فيها، كما أمرت كذلك بمنع سفر المرأة إلا بوجود رجل من عائلتها إذا زادت المسافة عن 70 كيلومتراً.

وحرمت طالبان النساء من الظهور على شاشات التلفزيون، وحرمانهن من العمل في الوظائف الحكومية، وإلزامهن بارتداء الحجاب إلى جانب الملابس الفضفاضة، وكانت آخر انتهاكات حقوق المرأة هي أوامر طالبان بإغلاق محلات وصالونات التجميل النسائية في البلاد.

انتهاكات حقوق الإنسان وحقوق المرأة، كانت الدافع الأساس للمجتمع الدولي للتشبث بموقفه الرافض بالاعتراف بحركة طالبان حكومة شرعية تحكم البلاد، وبالإضافة لرفضه تدفق أموال المساعدات، جاءت مخاوفه من إيواء حركة طالبان لإرهابيين دوليين صائباً، فقبل انقضاء عام على تسلم طالبان زمام الأمور في أفغانستان، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية نجاحها في قتل أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي، الذي كان يتصدر قائمة الإرهابيين المطلوبين لواشنطن منذ سنوات.

طالبان اليوم لها أكثر من وجه، وجه تصدره للخارج تدعي من خلاله أنها نسخة مختلفة عن نسخة الماضي، وتدعو المجتمع الدولي للاعتراف بها ومدها بالمساعدات المالية والإنسانية، ووجه آخر مخصص للداخل، لا يختلف كثيراً عن وجه طالبان التسعينيات، فالقمع حاضر، والاستبداد موجود، وحقوق المرأة في تراجع ملحوظ.

أفغانستان ذلك البلد الذي تعاقب على حكمه الأخمينيون والإسكندر المقدوني قبل الميلاد، وبعد ذلك الأتراك والصينيون والمغول والدولة الصفوية ومن بعدها بريطانيا، واليوم طالبان، جميعهم لم يستطيعوا أن يغيروا شيئاً في جوهر الشعب الأفغاني المحب للحياة.

قد يعجبك ايضا