(صفر حلول) بدلاً من (صفر مشاكل)..! السياسة الخارجية التركية.. إلى أين..؟

ما انفكّت السياسة الدولية التركية تعاني من الأزمات تلو الأزمات مع الكثير من دول العالم، وبخاصّة تلك الدول التي كانت تربطها بتركيا علاقاتٍ متميّزة منذ زمنٍ بعيد، وهم بمثابة الحلفاء لتركيا وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكية والاتّحاد الأوروبي وروسيا.

الأمر الذي جعل القائمين على هذه السياسة يتّخذون مواقف وإجراءات أدّت في مجملها الى دمارٍ للسياسة التركية على الصعيد الدولي، لم تعرفه الجمهورية التركية منذ نشأتها.

ولا أدلّ على ذلك من “مراسم” استقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الولايات المتّحدة الأمريكية، حيث كان في استقباله في القاعدة العسكرية الأمريكية التي حطّت بها طائرته موظف من الدرجة الثالثة في وزارة الخارجية الأمريكية.

وليس بعيداً عن نافذة القاعة التي عقد فيها الاجتماع بين الرئيسين التركي والأمريكي، كان أفراد حماية أردوغان يعتدون بوحشية على عددٍ من المتظاهرين السلميين، الذين خرجوا ليحتجّوا على ممارسات الحكومة التركية. وذلك في سابقةٍ لم يتجرّأ على ارتكابها أحد من قبل سوى أفراد الحماية نفسهم في الأكوادور. هذا الاعتداء الذي حدث في قلب واشنطن، أمام مرأى ومسمع العالم، كشف الكثير عن طبيعة تعامل دولة أردوغان مع حرّيات الرأي والتعبير والتظاهر. ممّا دفع بالكثير إلى التساؤل <<ماذا لو خرجت هذه المظاهرة في إحدى ساحات اسطنبول أو أنقره..!>>

بربرية حرّاس “السلطان” دفعت بالعديد من أعضاء الكونغرس إلى رفع أصواتهم، مطالبين إدارتهم بوجوب اتّخاذ إجراءٍ رادع يأتي كردٍّ مناسب على هذه الفعلة، التي تُعدّ سابقة خطيرة في مجال العلاقات الدبلوماسية الدولية. واتّخذت الإدارة الأمريكية قراراً بملاحقة اثنى عشر فرداً من الحرّاس قضائياً.

بينما كان أردوغان يحصد نتائج مفاوضاته مع ترامب، والتي تمثّلت بصورةٍ تذكارية داخل المكتب البيضوي، وصل برت ماكورغ مبعوث البيت الأبيض لشؤون مكافحة الإرهاب وداعش، إلى الرقة، ليجتمع بإدارة مجلس الرقة المدني. في زيارةٍ وُصفت حينها “بالصفعة لـ أردوغان”.

تخبّط في السياسة الدولية.. لا يقوم به حتى من لا يتقن ألف باء السياسة.. ابتداءً بخذلان تركيا لحلفائها، ممّا يسمّى بالمعارضة السورية المسلّحة ودورها في اتّفاق تسليم حلب وإجلاء مسلّحي المعارضة منها وتسليمها للنظام السوري.

إلى القمع الذي تمارسه السلطات التركية على وسائل الإعلام التي تتعارض معها في الرأي، حيث بلغ عدد الصحفيين المعتقلين لحدّ الآن، ما يزيد عن المئة وخمسين صحافياً.. مروراً برفع الحصانة عن عددٍ من البرلمانيين المعارضين تمهيداً لاعتقالهم وخصوصاً البرلمانيين عن حزب الشعوب الديمقراطي.

ولم تكنِ العلاقات التركية مع الاتّحاد الأوروبي أحسن حالاً.. فإعادة العمل بعقوبة الإعدام كان لها بالغ الأثر في تدهور العلاقات التركية الأوروبية.

ناهيك.. عن قيام المسؤولين الأتراك بالقدوم إلى عدّة بلدان أوروبية، وبشكل غير رسمي، بقصد إقامة تجمّعات وتنظيم مظاهرات لمؤيدي الحكومة التركية وبدون الحصول على الموافقات القانونية لذلك في هذه الدول، ممّا قد يثير القلاقل داخلها.

ولعل ما قامت به الحكومة التركية من منع وفدٍ برلماني ألماني من زيارة الجنود الألمان المنتشرين في قاعدة (أنجيرليك)، انعكس سلباً وبشدّة على العلاقة التركية الألمانية ممّا دفع عدداً من النواب الألمان إلى الطلب من حكومتهم بأن تعمل على إيجاد قاعدةٍ أخرى خارج تركية، وذلك ليتم إجلاء هؤلاء الجنود إليها..

وهذا ما حصل.. فقد شرعت الحكومة الألمانية بإجلاء هؤلاء الجنود ونقلهم إلى قاعدة الزرقاء في الأردن.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحدّ.. فها هو رئيس الوزراء التركي (بن علي يلدرم) يخرج معلناً عن انتهاء عملية (درع الفرات) التي أطلقتها تركيا داخل الأراضي السورية وأردف ملمّحأ عن إمكانية قيام تركيا بعملياتٍ أخرى، وبمسمّياتٍ مختلفة وضدّ أطرافٍ متعددة إذا دعت الضرورة لذلك.

ولعل الموقف الأخير الذي اتّخذته الحكومة التركية حيال الأزمة التي نشبت بين دولة قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين، كان بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير فيما يتعلّق بالعلاقات التي تربط تركيا بهذه الدول.

هذا الموقف لم يكن موقفا آنياً.. بل هو حصيلة علاقات ومصالح وارتباط وثيق سابق بين كلا الدولتين.

ولا أدلّ على مدى قوة ومتانة هذه العلاقة من الموقف الذي أبدته دولة قطر حيال الانقلاب الفاشل، الذي حصل في تركيا في آب من العام الماضي .. فقد كانت أوّل دولةٍ ندّدت به إبّان قيامه.

فالدولتان تربطهما روابط وثيقة جدّاً.. ارتقت بالعلاقات الثنائية إلى أن أصبحتا دولتين حليفتين، فقد أطلقتا معاً برنامج تعاونٍ ثنائي تحت مسمّى اللجنة الاستراتيجية التركية القطرية العليا.

وأبرمت الدولتان فيما بينهما العديد من الاتّفاقيات والمعاهدات وفي كافّة المجالات  وقّع عليها الرئيس التركي وأمير قطر عام 2014.

وأبرز هذه الاتّفاقيات.. (الاتفاقية العسكرية) التي تمتد لعشر سنوات وتسمح بإقامة قاعدةٍ عسكريةٍ تركية في قطر، وتعزّز لقيام شراكةٍ بين البلدين في مجال التصنيع العسكري.

هذا كله أدّى إلى أن وصلت العلاقة بين تركيا والدول الخليجية الثلاثة إلى اسوأ حالاتها.. ممّا حدى بأحد كبار المسؤولين السعوديين للتصريح بأن بلاده لن تسمح بإقامة قواعد عسكرية تركية، أو إيواء جنودٍ أتراك على أراضيها بناءً على طلبٍ كانت الحكومة التركية قد تقدّمت به سابقاً كرّدٍّ على الموقف التركي حيال الأزمة.. هذا الموقف يعكس قيام الدولة التركية بوضع نفسها كطرفٍ من أطراف الأزمة إلى جانب قطر.. بدلاً من أن يكون لها دوراً إيجابياً في حلّ الأزمة وتقريب وجهات النظر بين الدول الأطراف .. أو التزام الحياد على أقل تقدير.. وخصوصاً بعد أن عرضت تركيا على قطر إمكانية نشر قواتٍ تركية على الأراضي القطرية.

هذا كلّه.. إنما هو غيضٌ من فيض .. يوضّح لكلّ متابعٍ مدى التخبّط وعدم وضوح الرؤيا التي تعاني منها السياسة الخارجية التركية.. ممّا كان له بالغ الأثر في تدهور العلاقات بين تركيا والعديد من دول العالم، كالولايات المتّحدة الأمريكية وروسيا والاتّحاد الأوروبي.

والمفارقة العجيبة التي تثير استغراب أي متابعٍ للأوضاع الدولية عموماً والتركية خصوصاً، هي أن السياسة التركية قد وضع لها راسموها والمخططون لها والقائمون عليها، استراتيجيةً أساسية وهدفاً أعلى يقوم على مبدأ أطلقه وزير خارجية تركيا الأسبق (داود أوغلو) وهو مبدأ (صفر مشاكل) مع باقي دول العالم.

فإذا بهذا المبدأ يتحوّل نتيجة رعونة وتخبّط وعدم وضوح الرؤيا عند القائمين على السياسة الدولية التركية من (صفر مشاكل) إلى (صفر حلول).

فهل سيعمل القائمون على المطبخ السياسي التركي على إعادة حساباتهم وترتيب أولوياتهم، واتّخاذ المواقف والإجراءات المناسبة لتحسين وضع السياسة الدولية التركية مع الدول الأخرى..؟.

خالد الناصر

 

قد يعجبك ايضا
ankara escort çankaya escort