سنجار.. الإدارة الذاتية وتحدي تاريخ من الفرمانات

لا عاصم اليوم من فرمان الذبح إلا من احتمى بسفوح سنجار، لسان حال الإيزييدين عبر قرون من جرائم إبادة جماعية فتكت بهم، بدءاً بغزوات التطهير العرقي على يد الرومان ومن ثم السلاجقة ليليهم العثمانيون، أما كنى العرادي والبغدادي ليست تشاكلاً في اللفظ فقط، وإنما تشابه في فتاوى النحر والسبي بحق عشرات آلاف الإيزيديين عبر سلسلة فرمانات ممهورة بختم سلاطين التكفير، خطّها القانوني سليمان وسار على إجرامه رجب أردوغان.

74 مجزرة كانت كفيلة بأن يتيقن الإيزيديون أخيراً، أن جبال سنجار وحدها لا تستطيع رد الأعادي، أمام خذلان أخوة أفسحوا لإرهابيي داعش ليلة الـ3 من آب 2014، بتدنيس شعابها وقتل رجالها واسترقاق أطفالها ونسائها، بعد انسحاب القوات العراقية والبيشمركه من سنجار.

لعل مجزرة داعش الأخيرة بحق الإيزيديين كانت المخاض لولادة أول قوة عسكرية منظمة، إذ تطوع الشبان والشابات الإيزيديات بعد أيام منها؛ لتشكيل وحدات حماية شنكال، ليتبعه بأشهر فقط وفي الـ14 من كانون الثاني 2015؛ وللمرة الأولى إعلان مجلس تأسيسي لسنجار، والذي أضحى عنواناً لإرادة حرة طالما افتقدها الإيزيديون.

النظام التركي وبعد قطعه الأمل من زبانيته الدواعش في احتلال سنجار، تولى غزواته بالأصالة، فمنذ تطهيره من رجسهم وإلى اليوم، شنت آلة الحرب التركية عشرات الهجمات على القضاء، أما أكثرها شناعة كانت ليلة الأحد في الـ15 من حزيران 2020؛ للحيلولة دون عودة المهجرين إلى ديارهم بعد سنوات من احتجازهم في مخيمات بإقليم كردستان.

ما عجزت عن تنفيذه القوى المتآمرة في الميدان تستميت لإضفاء الشرعية عليه في السياسة، لتعقد بغداد وأربيل وبمباركة من النظام التركي اتفاقية في التاسع من تشرين الأول 2020، ببنود تنسف ما بناه الشعب الإيزيدي بدمائه خلال سنوات سبع عجاف، وفي مقدمتها حل الإدارة الذاتية، ووضع سنجار تحت وصاية إدارية وعسكرية مشتركة بين بغداد وأربيل.

كما الملدوغ يخشى الحبل حيث يتراءى له ثعباناً، فالإيزيديون أيضاً بعدما تعرضوا لأبشع ضروب التقتيل والتنكيل إثر انسحاب القوات العراقية والبيشمركه من مواجهة إرهابيي داعش صيف 2014، يرفضون اليوم ألبتة عودتهم، بل يرون فيها شرور مجزرة جديدة، تحضرها مخابرات قوى إقليمية وفي مقدمتها التركية، التي تسعى لتنفيذها بأجنداتها المحلية تحت يافطة القانون والدستور.

الدستور.. هو ما طالبت الإدارة الذاتية لسنجار بالاحتكام إليه في آخر لقاء مع وفد أمني عراقي رفيع المستوى، برئاسة مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي في الـ15 من آذار، وقدمت فيه مطالب تلخصت بإلغاء اتفاقية التاسع من تشرين الأول بين بغداد وأربيل، التي أبرمت بمعزل عن إرادة مئات آلاف الإيزيديين، ومحاسبة المتسببين في الإبادة الجماعية من القوات المنسحبة إبان هجوم إرهابيي داعش، وحذف ملف عودة المهجرين الإيزيديين والكف عن استخدامه كورقة ابتزاز في المفاوضات السياسية، وضمان عودة آمنة والإسراع في تقديم المساعدة لهم، وإعادة بناء سنجار وتعويض المتضررين، وإغلاق المجال الجوي أمام الضربات الجوية والهجمات ضد المدنيين، في إشارة إلى اعتداءات النظام التركي المستمرة.

وكما أن الحلول الحقيقية لا تكمن في تكرار التجارب، اقترح الإيزيديون جملة مقترحات منها، قوننة إدارتهم الذاتية وفقاً للمادة 120 من الدستور الفيدرالي للجمهورية العراقية، ليتمكنوا من إدارة أنفسهم بأنفسهم، بعيداً عن التجاذبات المحلية والإقليمية وللتخلص من النزاعات السياسية والعسكرية على أرضهم، والحفاظ على الهوية الوطنية للشعب الإيزيدي، إضافة لتسوية الوضع القانوني لقوى الأمن الداخلي “أسايش إيزيد خان”، علاوة على مساعدة وتعزيز وحدات حماية شنكال، باعتبارها صمام الأمان للشعب الإيزيدي وضمانة لهوية أبناء سنجار في عراق فيدرالي ديمقراطي.

قد يعجبك ايضا