“سبونج بوب” للقضاء على الانتحاريين!

تكرس الولايات المتحدة أشهر السنة وأيامها لقضايا توعوية بعضها يتلاقى مع الأجندة العالمية كاليوم العالمي للوقاية من الانتحار الذي يصادف في العاشر من الشهر الجاري الذي تكرسه أمريكا كله للتوعية من هذه المأساة التي تحصد روحا كل اثنتي عشرة ثانية، وفقا لوكالة متخصصة بالصحة النفسية والعقلية التابعة لوزارة الشؤون الصحية والخدمات الإنسانية.
منذ اندلاع جائحة كورونا أو كوفيد التاسع عشر والذي أطلق عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسماء عدة من بينها “كونغ فلو” و”الطاعون الآتي من الصين”، عمدت وسائل التوعية الرسمية والأهلية إلى حث الناس على غسل اليدين باستمرار وفقا لقواعد النظافة العامة. يلعب العامل الزمني دورا حاسما في تنظيف اليدين إضافة إلى الماء الحار (بدرجة تطاق) والصابون، حيث يتعين أن يستمر غسل اليدين وفرك الأصابع بما فيها الثنايا ما لا يقل عن عشرين ثانية. ولغايات تربوية تعليمية، تم ومنذ أجيال اعتماد أغنية “هابي بيرث داي تو يو” – عيد ميلاد سعيد – كوحدة قياس زمنية، حيث يطلب من الأطفال أن يغنوها مرتين أثناء غسل اليدين لضمان تحقيق الهدف وهو القضاء على الجراثيم والميكروبات لا مجرد زوال ما علق باليدين مما ظهر من “وسخ” الدنيا!
بحسبة بسيطة، ينتحر إنسان قد يكون في نظر من حوله أبعد ما يكون عن الضعف أو الاكتئاب، نعم ينتحر حتى “سوبرمان” كل اثنتي عشرة ثانية، أي بما يعدل انتحار اثنين (رجل وامرأة، طفلة وطفل، مريض وشخص في أتم الصحة والعافية) خلال قيام شخص آخر بغسل يديه!
قبل سنوات، قرأت كتابا متخصصا عن محاربة ظاهرة العنف الأسري في أمريكا، حذر فيه مؤلفه على نحو خاص من ارتفاع نسب المنتحرين من “الرجاء الأشداء” الذي تبيّن تعرضهم للاكتئاب “المقنّع” رغم اختفائهم وراء أقنعة الصمت والعزلة وأحيانا كثيرة خلف الابتسامات المضللة (لغايات التجميل أو الوقار والاعتداد بالنفس) والضحكات المجلجلة وهي في حقيقتها هستيرية.
أذكر خلال مشاركتي ماراثونا خيريا لصالح التوعية والوقاية من الانتحار العام الماضي، مشاركة عدد كبير من العسكريين وأسرهم، حيث تتنامى حالات الذين يعانون مما يعرف ب”التروما” أو حزن الصدمة الشديدة والتي من ضمنها حالات الفقد (الوفاة، الطلاق، الهجر، إلخ) ناهيك عن التأثر بأصوات الانفجارات ومشاهد ما تخلفه الحروب والحوادث من مشاهد صادمة.
وإن كان ابتكار الشخصية الكرتونية “سبونج بوب” قد ساهم في تحبيب الأطفال في التغلب على خوفهم من الماء ومواد التنظيف المدمعة للعينين قبل اختراع شامبو بلا دموع، فإن بإمكاننا لعب دور هذه الشخصية على النحو التالي إن أحببنا أن نساعد في الحد من مخاطر هذه المأساة التي لا تقف عن حدود سياسية ولا دينية ولا أيدولوجية ولا اقتصادية-اجتماعية.
لعل من أهم الشواهد التي لا بد من رصدها هي تلك الشخصية الكتومة والمكابرة التي تؤثر كالإسفنجة امتصاص ما تسكبه الحياة من حولها. ومعلوم حتمية نهاية الامتصاص حين تبلغ الأمور حدها و(يطفح الكيل). وهنا تأتي مخاطر اللجوء إلى ما سيزيد من الطين بله ويؤخر لحظة الانتحار، وهو الانتحار عبر الإدمان وليس بالضرورة الإدمان على المخدرات والكحول، فالتدخين والأكل الانفعالي المفرط هو شكل من أشكال الانتحار “المقبول” اجتماعيا للأسف والمغضوض الطرف عنه قانونيا ودينيا مع شديد الأسف.
وكل ما يتقدم من أشكال الانتحار وأسبابه يبقى أقل دمارا مما يعرف بالانتحار السياسي الذي يقترف جريمته ديكتاتور أو طغمة سياسية أو دينية لأسباب هي في حقيقتها تخصهم وحدهم ولا ذنب ولا جريرة بشعوبهم بها. وقد يكون أفضل علاج أو وقاية من ذلك هو أيضا “غسل اليدين” غسلهما جيدا من أولئك “المنتحرين الانتحاريين”!!

الكاتب: بشار جرار

قد يعجبك ايضا