رعايا أم مواطنون

ما نعيشه الآن من حالة فوضى مستشرية في كافة مفاصل الحياة الفردية والمجتمعية ما هو إلا نتيجة حتمية للنظم التي حكمت المنطقة منذ عقود من الزمن إن كان ما بعد الحرب العالمية الأولى أو الثانية وما سمي بمرحلة الاستقلال الوطني.

منذ ذاك الحين وحتى الآن معظم تلك وهذه الأنظمة التي كانت وما زالت تردد أننا في معركة مصيرية مع العدو ونحن محاصرين وهناك مؤامرة كونية علينا للنيل من سيادتنا وأمننا القومي وكرامتنا. عقود وهذه الأنظمة تبتاع الأسلحة بمختلف أنواعها للتصدي لهذه المؤامرات والهجمات وكل ذلك كان على حساب الشعب والمجتمع ورفاهيته التي تنازل عنها لصالح السيادة والأمن والاستقرار.

لكن خلال العقد الأخير وما نعيشه من حالة الاقتتال والصراع والحروب في بلداننا وما وصلنا له من تشتت وتفكك للدولة القوموية والسيادة الوطنية، لم تكن بسبب تلك الهجمات الخارجية بقدر ما كانت من عقلية الأنظمة المتحكمة بالدولة والتي كان ولا زال جلَّ هدفها الحفاظ على سلطتها ولو كان ذلك على حساب السيادة والشعب والمجتمع. لأننا نرى أن السيادة قد انتهكت والشعب تم تهجيره والمجتمع لم يعد له وجود بمعناه الذي عرفناه على أنه أساس التطور الإنساني.

سوريا والعراق واليمن وغيرها من البلدان التي أصابها ما أصابها من تفكك داخلي قبل الهجمة الخارجية كانت السبب الرئيس في حالة الانزلاق نحو الدولة والهشة التي نعيشها بكل تفاصيلها. وما الشعارات التي كنا نصدح بها ليلًا ونهارًا على أننا نعيش الدولة الوطنية، لم تكن إلا شعارات جوفاء خدعنا بها أنفسنا قبل أن نخدع الآخرين.

حيث لم نكن نعيش في دولة وطنية بقدر ما كانت دولة استبداد تحول فيها الانسان من مواطن إلى رعية. وهذا هو الفرق الذي لم نكن نعيره أي اهتمام حينها. حيث في دولة الاستبداد يسعى الحكام لتحويل الشعب إلى مجرد رعاع وقطيع ينفذون ما يؤمرون به فقط بعيدًا عن ممارسة دورهم في السياسة المجتمعية وبالتالي في المشاركة في بناء الدولة الوطنية. لم نكن مشاركين فيها بقدر ما كنا رعية كل ما هو مطلوب منا أن نحافظ على الدولة بالتضحية بالذات من أجل السيادة والاستقلال. أما النهوض والتنمية بالدولة لم تكن وظيفتنا مطلقًا وغير مطلوبة مننا بنفس الوقت. لأن الزعيم والخالد هو من يفكر بمصلحتنا الذي يعرفها أكثر مننا وهو المسؤول عن رعيته، وكأن ذلك قدرنا الذي قبلنا به طوعًا.

دولة المواطنة التي كانت غائبة عنّا بألف وسيلة ووسيلة، إن كان ذلك بالقهر القوموي الواحد مع اقصاء باقي الشعوب والقوميات أو بالاستبداد الديني المبني على الطقوس فقط مع غياب جوهر الدين الرحيم. فكنا أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن تكون بعثيًا عروبويًا قومجيًا أو أن تكون من جماعة الاخوان المسلمين التي لا هم لها سوى الوصول للسلطة والتحكم بالبلاد والعباد، وفي كلتا الحالتين لم نكن بنظرهم سوى رعايا أو رعاع فقط لا غير. وهذا ما يعيشه الشعب في ظل كِلا الطرفين الآن في سوريا والتي نتيجتها عندهما أن الانسان ليس سوى قربان يتم تقديمه في بازارات السياسة القبيحة في جنيف أو استانا، وتحت رحمة الضامنين الثلاث (تركيا – ايران – روسيا)، الذين حولوا سوريا إلى مسلخ وحلبة سياسية تقضي على ما تبقى من سوريا، وكل ذلك بمعية النظام الحاكم الأسدي الذي لا حول له ولا قوة سوى تنفيذ ما هو مطلوب منه روسيًا أو إيرانيًا.

بكل تأكيد لا يمكن بناء دولة المواطنة بقرار يتخذه الزعيم أو الرئيس الخالد في غفلة من الزمن. إذ، أننا بحاجة إلى ثورة بكل معنى الكلمة على معظم الثقافة التي تم حقننا بها طيلة العقود المنصرمة والتي أدت لما نحن عليه الآن. المواطنة هي حالة ثقافية وممارسة يومية أكثر ما هي قرار وقانون. كما الديمقراطية كيف أنها ليست فقط صناديق انتخاب بل تربية ثقافية وحالة توعوية ذهنية. تبدأ بالاعتراف بالآخر وقبول وجوده كما هو وبنفس الوقت ممارسة المجتمع والفرد السياسة التي تكفل حقه في عملية بناء الدولة والمجتمع. فبدون أن يشعر الفرد بأهمية وجوده وخاصة في بناء مجتمعه وممارسته السياسة، لا يمكن أن يحس بالانتماء والولاء للوطن والشعب والمجتمع وسيعيش حالة الاغتراب عن ذاته وشعبه ووطنه، وهو ما كنا نعيشه بكل معنى الكلمة.

نحتاج إلى ثورة ذهنية تقضي على كافة الموروثات والمصطلحات القومجية والدينية المتطرفة التي تُعلي من طرف على حساب طرف آخر، لنصل لحالة من التساو بين الجميع. وأول سؤال سيتبادر إلى ذهننا في عملية البناء هذه هو؛ هل ما نحن مقبلين عليه من عملية بناء المستقبل سنكون فيه رعايا أم مواطنون؟ إن كان الجواب هو أننا سنبقى كما كنا كما يحاول النظام والمعارضة تعويمه فبئس النظام والمعارضة ولن نقبل أن نكون ضحايا لهذه الذهنية الإنكارية و الاقصائية التي تختزل الفرد والشعب والمجتمع في شخص الزعيم. لكن إن كان الجواب هو مواطنون؛ حينها ثمة آليات وقرارات كثيرة علينا اتخاذها بدءًا من تغيير الذهنية الاستبدادية واستبدالها بذهنية ديمقراطية التي هي السبيل الوحيد فقط لبناء نظام لا مركزي يكون فيه الإنسان هو الهدف من الحياة.

الكاتب: محمد أرسلان

المصدر: صدى البلد 

قد يعجبك ايضا