رباعية الأسد الثاني!

بصرف النظر عن الموقف من الانتخابات التي يضعها البعض تحفظاً بين “هلالين”، فإن حقيقتين لا مجال لإنكارهما في سوريا اليوم. فقد نجحَ بشار حافظ الأسد (أبو حافظ) في “الانتخابات” بتسعينية مئوية، مُنهياً عشراً سوداء دامية بالإرهاب والقمع والفساد. تلك ثلاثية الموت العاجل أو الآجل منذ ابتلاء الشرق الأوسط بثنائيات السلطة وكلٍّ من المال، الدين، والعسكر. ما زالت جمهوريات مشرقنا المكلوم أقرب ما تكون إلى ممالكَ فاسدة وقد أحسن من سمَّاها يوماً “الجملكيات”.
ها هو الواقع المأساوي الذي بلغت كثير من دول الشرق الأوسط يعيد إنتاج أخطائه الكارثية ذاتها. “العادل المستبد” ما زال يبرر للقمع وبقية أضلاع مثلث الموت الفساد والإرهاب.
مشاهد كثيرة سبقت الانتخابات وتلت احتفالات “الفوز والنصر”، تشير إلى جوهر القضية. استمع مثلاً إلى السجال الذي دار في لبنان حول إقبال مَن تفاوتت تسميتهم بين نازحين ومهجّرين ومهاجرين على التصويت للأسد. أنصت أكثر للأصوات التي توعدتهم في طرابلس بالانتقام في حال ثبوت انتخابِ مَن تسبب بقتل وتشريد الملايين بحسب معارضي النظام.
بالمقابل، انظر للصورة وهي الأبلغ دائماً، تلك التي أبرزتها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي الموالية للأسد والتي قام بعض المقترعين بالإصرار على البصم بدم إبهامهم الجريح تعبيراً عن تأييدهم لتجديد “البيعة” للأسد الثاني لولاية رابعة. لم أملك يومها سوى التعليق بأن ما جرى قد يؤكد الولاء، لكنَّه قطعاً يظهر خللاً يطعن في نزاهة أي انتخابات، وهو عدم تحبير إصبع المقترع مما قد يعني تكرار اقتراعه مرات ومرات! مشهد قد يُلخص الحكايةَ كلها في كوميديا سوداء.
دعك من هذا وذاك، فقد حفلت البيانات الرسمية وتفاعلات التواصل الاجتماعي بالكثير الذي يعكُسُ انقسام الجميع على الجميع تأييداً وإدانة، لكن ثمَّةَ حقيقتين ما زالتا ماثلتين في وجه الجميع وهو انتهاء العشر السوداء بثلاث ولايات رئاسية وأن كلَّ الأرواح التي زُهِقَت والأموال التي بُدِّدَت لم تفلح بتحقيق أي من النهايات التالية: سوريا ما زالت دولةً موحدة رغم ما يمسُّ سيادتها على امتداد ترابها الوطني من كوارث. سوريا ما زالت برئاسة الأسد الثاني وبقيادة البعث. سوريا ما زالت حجر زاوية في أي ترتيبات شرق أوسطية، لا بل مفصلًا رئيسياً فيما يخص أي تفاهمات دولية بخصوص عالم ما بعد الطاعون الصيني، كوفيد التاسع عشر!
لقد سقطت مقولةُ الرئيس الأمريكي الأسبق باراك حسين أوباما “أيام الأسد معدودة”، وها هو نائبه الرئيس الحالي جو بايدن وجهاً بوجه أمام إحدى التركات الثقيلة لأوباما وما رعاه من “ربيع عربي”. بايدن في ولايته اليتيمة -على الأرجح- يقف اليوم أمام الأسد في ولايته الرابعة التي لا يوجد ما يحول دون تجديدها بخامسة، وصولًا إلى شعار حكم الأسد الأول، الأسد إلى الأبد!
بايدن الذي لم يُخفِ خلال الانتخابات الأمريكية انتقاداتِه لل”الحكم” في مصر، دفعته المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة الدامية إلى الاتصال بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مرتين في غضون أيام. طبعاً الفارق كبير والقياس هنا لا يخرج عن سياق ثلاثة مفاهيم: البرغماتية، المصالح الوطنية العليا والمصالح الشخصية (بمعناها الحزبي والسياسي).
إن انتخابات تجديد الكونغرس العام المقبل علامة مهمة فارقة في مستقبل بايدن وربما الحزب الديمقراطي، إن فشل الرئيس السابق دونالد ترامب في استرداد الغالبية في مجلس النواب على الأقل، فإن أمام الديمقراطيين فرصة لإبعاد الجمهوريين وتحديداً الترامبيين عن الحكم في ٢٠٢٤، الأمر الذي يعني أن المناخ السياسي في واشطن فرصة قد لا تتكرر لإحداث اختراق في أي مفاوضات. تلك مسألة تنطبق على ملفات ما بعد الربيع العربي والطاعون الصيني، وما يجمعهما هو الحاجة الماسة إلى المال، بمعنى إعادة الإعمار، وتلك لم تكن صدفة عندما تم إبراز دور مصر والأردن فيما يخص تهدئة الأمور على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية، واشتراط ضمان عدم وصول أموال إعادة إعمار غزة إلى حماس ومن قامت بشكرها – إيران.
فمن سيتولَّى إعادة إعمار سوريا الذي تفوق غزَّة بعشرات المرات؟ وماذا يعني استئناف أمريكا قبل أيام استيراد النفط من إيران ولو رمزيا؟ هل تشمل العودة إلى اتفاق إيران “الجديد” تفاهمات مع الأسد؟ الأرجح، نعم.. ولعلها مسألة يبحثها بايدن مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قمتهما الأولى في سويسرا في حزيران يونيو. جميل أن تكون نهاية المحنة السورية، سويسرية!

 

الكاتب: بشار جرّار

قد يعجبك ايضا