دلالات التوقيت في عملية اغتيال العالم النووي فخري زاده

 

اغتيالُ العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، فتحَ البابَ مُجدَّداً على احتمالاتٍ شتَّى ووضعَ النظام الإيراني في موقفٍ مُحرجٍ، فإمَّا الرَّدُّ على العملية، المُتَّهمُ الأوَّل فيها إسرائيل، وهو ما لا يُحمَدُ عقباه، أو انتظار ما ستؤول إليه العلاقاتُ الأمريكية الإيرانية في عهد الرئيس الجديد جو بايدن، حيث تنتعش آمالٌ بالعودة إلى الاتفاق النووي الموقع عام ألفين وخمسة عشر مُجدّداً وهو ما قد يعني التخلُّصَ من أزمة اقتصاديَّةٍ خانقةٍ فرضتْها العقوباتُ الأمريكيَّة في عهد إدارة دونالد ترامب.

ولعلَّ أبرزَ ما يُميِّز هذه العمليةَ هو التوقيتُ الذي يعني الكثيرَ للطرفين، فإسرائيل رُبَّما تسابق الزمنَ وتستغلُّ عاملَ الوقت لتنفيذ عملياتٍ عسكريَّةٍ بهدف وقف التمدّد الإيراني قبلَ وصول إدارة جديدة قد تتعامل مع قضية إيران بشكلٍ أكثرَ مرونةً، أمَّا إيران فرُبَّما عليها تحمُّل تبعات هذه الفترة حتى استلام بايدن مفاتيحَ البيت الأبيض.

أوروبا التي تربطها علاقاتٌ جيدة نسبياً مع النظام الإيراني دعتْ بعد مقتل زاده إلى ضبط النفس وتخفيف لهجة التصعيد، وهو أمرٌ يُرجَّحُ أن تأخذَهُ طهرانُ بعين الاعتبار، لكن ذلك لا يعني أنها ستتراجع بالتأكيد عن تنفيذ تهديداتها هذه المرّة بالرّدّ المحسوب والحاسم كما وصفتْه تصريحاتُ مسؤولين إيرانيين، أقلَّهُ لحفظِ ماء الوجه، وهي التي هدَّدتْ بالرد بعد أن استهدفت إسرائيلُ مؤخراً مواقعَها على حدود الجولان.

لكنَّ آخرينَ ذهبوا أبعدَ من ذلك، فرُبَّما كانت سياسة العصا والجزرة التي اتَّبعتْها واشنطن وأوروبا في عهد أوباما هي ما تجعل طهران تفكّر ملياً قبل الإقدام على أيَّةِ خطوة، فهي وإن كانت ترفض هذه السياسة ظاهرياً، إلَّا أنَّها ترى فيها مخرجاً من مأزق وجدتْ نفسَها فيه .. حصارٌ غربيٌّ مُطبِقٌ ومُحيطٌ عربيٌّ ترى فيه خطراً وشيكاً كونَها تثيرُ القلاقل في سوريا والعراق ولبنان واليمن ومناطق أخرى.

دولةٌ مارقةٌ، وَصفٌ أُطلِقَ على طهران خلالَ السنوات الماضية، لتجدَ نفسَها في عُزلَةٍ دولية وإقليمية على خلفية سياساتها الخارجية وتدخّلاتها المباشرة في شؤون دول الجوار ومحاولاتها اللعبَ على الوتر الطائفي، ما أفقدَها ثقةَ جيرانها وأثارَ مخاوفَ مشتركةً مع إسرائيل من خطرٍ مُحدقٍ.

أمَّا الشعبُ الإيراني الذي يئنُّ تحتَ وطأةِ سلطة مُستبدَّة، ضاقَ ذرعاً من تصرّفات نظام دخلَ في صراعات طائفية يسعى كما يسعى النظام التركي لاستعادةِ إمبراطوريَّة أكلَ الدهر عليها وشرب وتحقيقِ أحلامٍ بعيدةٍ عن التطبيق على أرض الواقع في ظلِّ النظام العالمي الجديد.

اغتيالُ العالمِ النووي الأبِ الروحي للطموحات النووية الإيرانية رجلِ الظلِّ فخري زاده، كان بلا شكٍّ ضربةً قويَّةً، وسواءٌ ردت إيران أم لم تُرِدْ، فالمُؤكَّدُ أنَّ توقيتَ العملية هي علامةٌ فارقةٌ وعاملٌ مُهِمٌّ في حسابات إيران بشأن كيفيَّةِ التَّعامُلِ مع القضية.

قد يعجبك ايضا