دعامة الاقتصاد السوري في خطر

عرفت سوريا بأنها “مستودع القمح” منذ عهد الامبراطورية الرومانية، ولا يزال القمح أحد ركائز اقتصادها، حيث تُقدَّر المساحة المزروعة بالقمح نحو 1.6 مليون هكتار و تشكل المساحة المروية منها 0.73 مليون هكتار، أي ما نسبته 43 بالمئة، والبعلية 0.96 مليون هكتار بنسبة 57 بالمئة، كما يعتبر إقليم الجزيرة موطن القمح والسلة الغذائية لسوريا.

يتميز القمح السوري بنوعين: القمح الطري: تزيد نسبة رطوبته عن 14 بالمئة يستخدم في صناعة الخبز، أما القمح القاسي: يحتوي على نسبة عالية من البروتين ويُستخدم في الصناعات الغذائية الأُخرى.

وصل انتاج القمح في سوريا إلى ما يُقارب 4 مليون طن عام 2007، ما يكفي لتلبية الطلب المحلي ويسمح بتصدير كميات للخارج.

وتعتبر كل من الرقة والحسكة ودير الزور مناطق متواجدة في شمال شرق سوريا، هي من المناطق الأساسية في انتاج القمح وتنتج 70% من القمح السوري.

الأزمة السورية وتداعياتها على محصول القمح

 يُعد القطاع الزراعي في سوريا من القطاعات المهمّة فهو يحتل نسبة 19.6 % من الناتج المحلي و يعمل 17%من القوى العاملة في الزراعة، وكان يرفد ميزانية سوريا بحدود 12مليار دولار، وتصل المساحة المزروعة  من القمح في سوريا إلى 26% من الأراضي الزراعية.

 سوريا كانت قد حقّقت في العقد الماضي مستويات من الاكتفاء الذاتي وصلت إلى مستويات التصدير بدءاً من عام 1996، لكن مجريات الحرب أثّرت كثيراً على هذا الأمر و تحولت سوريا إلى الاستيراد منذ عام 2012.

تراجع انتاج القمح في سوريا إلى نحو 1.3 مليون طن وفقاً لتقارير منظمة الفاو:

انتاج سوريا من القمح “مليون طن”

2007 2008 2009 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016
4 2.1 3.7 3.1 3.8 2.8 2.4 1.7 2.4 1.3

حسب إحصائيات منظمة الأغذية و الزراعة في الأمم المتحدة (الفاو)

 التحول من التصدير إلى استيراد القمح

 بلغ متوسط الانتاج من عام 2000 إلى 2010 حدود 4مليون طن، ووصل الاستهلاك السوري للقمح إلى مستوى 2.5 مليون طن، أمّا الفائض فكان يتم تصديره إلى دول مثل لبنان والأردن وفلسطين ومصر، لكن تراجع مستوى الانتاج بنسبة 55% لتصل إلى 1.3 مليون طن في العام الماضي.

لماذا تحوّلت سوريا لاستيراد القمح؟

– أزمة المحروقات: أدّت الحرب الدائرة في البلاد وسيطرة تنظيم داعش الإرهابي على حقول النفط وانعدام محطات تكرير النفط في الشمال، إلى حرمان المزارعين من المحروقات المخصصة لتشغيل مضخات المياه لري الحقول.

– تعطّل السدود وانخفاض مستوى المياه في البحيرات الصناعية: أدّى الدمار الذي ألحقه تنظيم داعش بسدي الفرات وتشرين إلى خروج السدين عن الخدمة، بالإضافة إلى قطع تركيا لتدفق مياه الفرات، كلها حرمت المزارعين من الاستفادة من مياه النهر و كهربائه لري المساحات المروية.

– الحرب الدائرة: أثّرت بشكل قوي على واقع زراعة القمح.

– موجات الجفاف: نقص الأمطار ومياه الري.

– تقلّص المساحة المزروعة: تسبّبت موجات الجفاف التي ضربت الكثير من المساحات الزراعية في شمال سوريا إلى تقلّص المساحات المزروعة.

واقتصرت على هذه الأرقام من الهكتارات: تقلّصت المساحة المزروعة لحدود 0.54 أي نصف مليون هكتار عام 2016 عن 1.7 مليون هكتار عام 2010. بالإضافة لوقوع بعض حقول القمح في مناطق سيطرة تنظيم داعش.

– انخفاض مراكز التجميع: أدّت الحرب لانخفاض عدد مراكز تجميع القمح إلى 22 مركزاً عام 2016 بطاقةٍ استيعابية تقتصر على 2 مليون طن، مقابل 31 مركزاً عام2015، ونحو140 مركزاً عام2010 بطاقةٍ استيعابية تصل فوق 5.5 مليون طن قبل اندلاع الأزمة السورية، (وفقاً للمؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب التابعة للنظام السوري). ولدى حكومة النظام السوري النية في زيادة عدد هذه الصوامع.

أسباب مرتبطة بالحرب:

فقدان الأسمدة الآزوتية وارتفاع أسعارها بسبب استخدام هذه المادة في صناعة المتفجرات، وارتفاع تكاليف الحصاد نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وأجور العمالة الزراعية و انحسار مستلزمات الإنتاج الزراعي وعدم توافرها، وعدم وجود مؤسسات داعمة للفلاحين تمنح القروض لهم، وتفضيل الفلاحين لمحاصيل أقل تكلفة وأكثر ربحاً.

بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية الزراعية من قبل داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، ونهب الصوامع وإضرام القوات التركية ومرتزقتها النيران في أراضي شمال سوريا التي تنتج القدر الأكبر من محصول القمح و(قدر تقرير صادر عن وزارة الزراعة في حكومة النظام السوري أن حجم الأضرار بلغ حوالي 250مليار ليرة حتى نهاية 2016 )، بالإضافة لمحاولة بعض الفلاحين التكيّف مع الأوضاع المستجّدة، عبر الانتقال إلى زراعات جديدة، أو تخلي الكثير من الفلاحين عن الزراعة وهجرة أراضيهم.

خسائر القطاع الزراعي في سوريا بحدود 6 مليارا ت دولار باعتبار أنه يشكل جزء من

الخسائر بالنسبة لتكاليف الحرب بحدود 6.7 %. حسب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).

 

إنّ حالة العجز والتفاوت بين الإنتاج وحاجة الأسواق “تُغطّى عبر الاستيراد والمساعدات الدولية، ورفع الأسعار سنوياً.

بالنسبة لتكلفة ايصال “طن” من القمح إلى دمشق، يبدوا أن استيراد هذا القمح من البحر الأسود هو أقل تكلفة مما نراه من وصوله من الحسكة إلى دمشق، وهذه الأرقام كانت قد حدّدتها منظمة (الفاو) العالمية.

تكلفة ايصال طن من مادة القمح من الحسكة إلى دمشق التكلفة من البحر الأسود

التكلفة الأصلية هي220$ للطن الواحد

52$ أتاوات 3$ مراقبة الجودة
96$ تكاليف نقل 65$ تكاليف نقل
=368$ =301$ رسوم جمركية

 

  وصرّح وزير الزراعة في حكومة النظام بأن مجموع المساحات المزروعة بالقمح في سوريا لموسم 2017 بلغت 1.169 مليون هكتار يُتوقع أن تنتج 2.17 مليون طن من القمح، وتحتاج سوريا  لأكثر من 1.5 مليون طن من القمح لتحويله إلى طحين للخبز.

و أكّدت رئاسة مجلس وزراء النظام السوري، أّنّه “تمّ خلال 2016 استيراد حوالي مليون و300 ألف طن من القمح من روسيا، وفي 2017 تم التعاقد لاستيراد مليون ونصف طن من القمح أيضاً من روسيا، وهي حاجة سوريا من هذه المادة”.

وقدّرت فاو حجم العجز بقمح سوريا عام 2016 بنحو 800ألف طن. وقالت إن هذا العجز قد يتسع كل عام إذا بقي الفلاحون عاجزين عن الحصول على المدخلات الزراعية والوصول للأسواق.

انتاج القمح في الشمال السوري ومناطق الإدارة الذاتية:

 استطاعت الإدارة الذاتية الحفاظ على حقول القمح ضمن حدود مناطقها، عن طريق تقديم المحروقات بأسعار رمزية للفلاحين (13 لتر= 1 دولار) وتأمين الأسمدة اللازمة للمزارعين وتوزيع البذار.

استهلكت سوريا نحو 2.5 مليون طن قمح في 2010، أي عندما كان عدد سكان البلاد يفوق 22 مليون نسمة، أمّا اليوم انخفض عدد السكان إلى أقل من 17 مليون نسمة، منهم 14.3% يعيشون في مناطق الإدارة الذاتية وشمال سوريا. وبناءً على هذه الإحصائيات، يمكن القول بأن كمية استهلاك مادة القمح في مناطق الشمال لا تتجاوز 350 ألف طن.

تُعتبر الحسكة – أهم محافظات الشمال- الخزّان الاستراتيجي للقمح في سوريا، حيث تنتج المحافظة سنوياً – بحسب أرقام وزارة الزراعة التابعة للنظام السوري- نحو 36%  من إنتاج البلاد. ومن المتوقع أن يصل إنتاج الحسكة لعام 2017 إلى نحو 700 ألف طن، أي ضعفي الكمية المستهلكة في الشمال السوري. حيث وصلت كمية الإنتاج العام الماضي إلى نحو 1.5 مليون طن.

تضاف إلى حقول القمح في الحسكة، حقول كوباني وعفرين والرقة وأجزاء من دير الزور وشمال حلب، أي قد تصل مساحة حقول القمح الموجودة ضمن حدود الشمال السوري ومناطق الإدارة الذاتية إلى نحو 70% من اجمالي حقول القمح في سوريا.

في الحسكة، حاول النظام شراء كميات من القمح الطري والقاسي على حدٍّ سواء بـ 140 ليرة سورية للكيلو وللشعير بسعر 110 ليرات. وبالمقابل بدأت هيئة الاقتصاد في الإدارة الذاتية بشراء القمح القاسي و الطري بسعر 138 ل.س (230دولار للطن). حيث فضّل الفلاحون مراكز تجميع الإدارة الذاتية على مركزي النظام في الحسكة و قامشلو، بسبب التكلفة الكبيرة للنقل التي تضاف إلى المبالغ الطائلة التي تدفع لموظفي النظام كـ “رشاوي”. بالإضافة إلى فقدان المُزارع ثقته بالمؤسسات التابعة للنظام.

لذا، لعب القمح ولا يزال يلعب دوراً مهمّاً على الصعيد السياسي والاقتصادي، إذ تحولت هذه المادّة إلى مادّة استراتيجية، وحتى إلى سلاح غذائي حاد بيد القوى المصدرة له، لانتزاع مواقف سياسية، أو لتحقيق مكاسب اقتصادية.

 

اسماعيل خضر

ankara escort çankaya escort