حفنة دولارات لن توقف مراكب الحرقة

دول الاتحاد الأوروبي تحاول إظهار مدى حزمها لوقف وصول المهاجرين إلى حدودها، في محاولة لاستباق صعود متوقع لليمين المتطرف في الانتخابات البرلمانية القادمة، بتوزيع حفنة من الدولارات هنا وهناك.

لا أحد يشك في رغبة وحزم حكومات الدول الأوروبية في وضع حد لوصول أفواج المهاجرين إلى شواطئ أوروبا وموت أعداد منهم خلال المحاولة، ولكن نشك بدوافع هذه الحكومات وجديتها.

قد تكون الأرقام المعلن عنها لأعداد الضحايا الذين فقدوا حياتهم في محاولة عبور المتوسط محرجة (2500 ضحية خلال عام 2023)، ولكن هذا لن يقنع أحدا بأن الدافع وراء “الحزم” الأوروبي لوقف الهجرة إنساني.

الاتحاد الأوروبي نشط مؤخرا لتوقيع سلسلة من الاتفاقيات مع دول شمال أفريقية بهدف وقف أفواج اللاجئين، من بينها حزمة مساعدات بقيمة (8.2 مليار دولار) تهدف إلى دعم الاقتصاد المصري.

بالطبع لم تأت هذه الحزمة من الوعود خالية من الوصاية. وهو ما أكدته رسالة بعث بها إلى أورسولا فون دير لاين قبل توجهها إلى القاهرة برفقة رؤساء حكومات بلجيكا وإيطاليا واليونان، مقرر البرلمان الأوروبي إلى مصر الفرنسي منير ساتوري، وحذر فيها مما وصفه بـ”الوضع الكارثي للديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر”.

لا نريد أن ندخل في قضية أخرى تبعدنا عن قضية المساعدات المالية، وهي قضية لا علاقة لها بالاقتصاد ولا بحقوق الإنسان، بل بملف الهجرة وتسعة ملايين لاجئ يعيشون في مصر، تدرك حكومات دول أوروبا أي طوفان ستواجه لو أغمضت القاهرة عينيها عن اللاجئين وتركتهم يستقلون المراكب باتجاه شواطئها.

ليس من حق أي طرف أوروبي إلقاء محاضرات حول الديمقراطية في مصر، خاصة عندما يكون جرح عزة طريا وموقف الدول الأوروبية مما يحدث هناك لا يشير إلى أن حكومات هذه الدول تكترث للمأساة.

ثم، عن أي حقوق للإنسان يتحدث هؤلاء في دول تجتهد حكوماتها لتؤمن لمواطنيها رغيف خبز؟

ما حدث مع مصر حدث أيضا مع تونس، حيث اعترض أعضاء البرلمان الأوروبي على شروط صرف المفوضية لمبلغ 150 مليون يورو لـ”دعم ميزانيها”، وأدانوا ما وصفوه بـ”تدهور سيادة القانون في تونس”.

هل يجب أن نسأل السادة أعضاء البرلمان الأوروبي عن عدد المرات التي استعملت فيها حكوماتهم ذريعة حقوق الإنسان لشن حروب سرعان ما تبين أن لا علاقة لها بالإنسان وحقوقه. والحديث ليس عن الماضي بل عن الحاضر والآن.

المآسي التي تسببت بها هذه الحروب أكبر من أن يستوعبها هذا المقال، وهل يجب أن نذكرهم بأن آلاف الأوروبيين المقيمين في تونس وفي مصر والمغرب لا يستمتعون فقط بشمسها بل بسيادة الأمن والقانون فيها.

استطراد طويل أعود بعده لأسأل: هل هذه المبالغ تستحق أن تثار حولها المساومات؟

8 مليارات دولار رقم قد يمحى أو يضاف إلى شركة واحدة من عمالقة شركات التكنولوجيا يوميا، ما بالك برقم 210 و150 مليون دولار.

حتى لا أتهم بالمبالغة، أقدم مثالا يوضح قيمة مبلغ 8 مليارات دولار اليوم بالنسبة إلى حكومات الدول.

المبلغ لن يكفي الحكومة البريطانية لحل مشكلة الحفر في الطرقات. بحسب تقرير صادر عن هيئة مختصة في قطاع صيانة الطرقات، سيتطلب الأمر 17.64 مليار دولار، أي أكثر من ضعف المبلغ الذي وعد به الاتحاد الأوروبي مصر.

مبالغ مثل هذه ليست سوى مُسَكّن مؤقت لمشكلة تحتاج إلى جراحة.

ولكن، قبل الدخول إلى غرفة العمليات علينا أن نعترف بأن المشكلة ليست صناعة هذه الدول التي وجدت نفسها فقيرة بين ليلة وضحاها.. المشكلة من صناعة أيديكم.

لنبقى مع مصر.. في ستينات القرن الماضي كان متوسط دخل الفرد المصري في الشهر 15 دولارا، اليوم متوسط دخل الفرد في مصر 57.55 دولارا.

ستقولون إن على المصريين أن يلوموا أنفسهم، لقد بالغوا في التكاثر حتى أصبح تعدادهم 120 مليونا، بينما كان عددهم عام 1960 لا يزيد عن 26 مليونا.

نعم، عدد سكان مصر تضاعف 5 مرات تقريبا. ولكن، مقابل ذلك تضاعف سعر صرف الدولار خلال نفس الفترة الزمنية 62 ضعفا بسبب التضخم الذي صنعتموه أنتم وضُرّست بسبب منه الشعوب “الغلبانة”.

أرسطو أوناسيس، الذي كان يوما أشهر مليونير في العالم وأشهر مصنع للتبغ وتجارة السفن وتحكم بأكثر من 95 نشاطا تجاريا في مختلف أنحاء العالم وامتلك جزرا خاصة به، بالكاد وصلت ثروته في ستينات القرن الماضي إلى مليار دولار. وهو رقم متواضع جدا. الحديث يدور اليوم عن تريليونات الدولارات.

أربع شركات تكنولوجيا أميركية (أبل ومايكروسوفت وغوغل وأمازون) تجاوزت القيمة السوقية لكل منها، خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، تريليون دولار، لتملك فيما بينها 8 تريليونات دولار. هذا رغم وباء كورونا، ورغم الحرب في أوكرانيا، ورغم الجفاف والأزمة الاقتصادية العالمية.

1 في المئة من الأثرياء يمتلكون اليوم أكثر من نصف ثروات العالم، أي أكثر من 236 تريليون دولار (رقم واحد على يمينه 12 صفرا مضروبا بالرقم 236).

نصف ثروات العالم تذهب إلى جيوب حفنة من الأثرياء. بالطبع الجيوب لا تتسع لمبلغ مثل هذا، إنها أموال افتراضية، ليست مطبوعة حتى على الورق. وبعد ذلك يريدون من الحكومة المصرية أن تحل مشاكلها الاقتصادية بـ8 مليارات دولار.

دول أوروبا، ومعها الولايات المتحدة، ليست مسؤولة فقط عن حقبة الاستعمار قديمه وحديثه، وعن الأضرار التي لحقت بالبيئة، إنها مسؤولة أيضا عما آل إليه حال تلك الدول بعد أن أقنعت حكوماتها أن أفضل ما يمكنها عمله هو تزويد الغرب الصناعي بما يحتاجه من مادة خام غير مصنعة، وحكمت عليها أن تبقى حبيسة اقتصاد ريعي.

أرقام متواضعة مثل هذه ستربك الحكومات أكثر مما ستحل مشاكلها. وهذا سيؤدي حتما إلى اضطرابات تدفع بالمزيد من الشباب والنساء وحتى الكهول والأطفال لعبور البحر.

حفنة دولارات لن تكفي لحل مشاكل دول شمال أفريقيا، والمساعدات التي تقدم بالقطارة لن تقلص الفجوة التي تزداد اتساعا بمرور الوقت بين ضفتي البحر المتوسط، ولن توقف تآكل الطبقة الوسطى في تلك الدول، وهي حتما لن توقف أساطيل مراكب الحرقة عن تفريغ شحناتها من البشر على شواطئ أوروبا.

ما لم تمد الدول الأوروبية يدها عميقا في جيوبها وتستثمر في اقتصاديات الدول الفقيرة، ليس بضعة مليارات بل مئات المليارات، عليها أن تستعد لطوفان المهاجرين.

الكاتب : علي قاسم

المصدر ـ العرب

قد يعجبك ايضا