تونس.. آمال المهاجرين تصطدم بتضييق حكومي وابتزاز أوروبي

تقطَّعت بمَن نجا منهم من مخاطر الطريق المحفوفِ بالموت السُبُل، ليجدوا أنفسهم يواجهون مخاطرَ أخرى تتمثل بتصاعدٍ لخطاب الكراهية وإجراءاتٍ حكوميةٍ تُضيّق عليهم، فيما يبدو أنه امتثالٌ لسياسةٍ تهدف إلى الحد من وصولهم إلى “فردوسهم المنشود”… هذا هو حال المهاجرين الأفارقة في تونس، محطتهم الأخيرة للوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي.

التضييقُ على المهاجرين من قبل الحكومة أرجعه مراقبون إلى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، والتي تُحمّل الحكومةُ التونسية المسؤوليةَ فيها إلى الاتحاد الأوروبي، بعد اتهاماتٍ له بتدمير ليبيا التي كان يصل حجمُ التبادل التجاري معها إلى نحو أربعين في المئة، إضافةً إلى مساهمة الاتحاد بتدهور الأوضاع في العراق، الشريك الاقتصادي المهم لتونس.

الحكومةُ التونسية ترى أن الاتحاد الأوروبي أخلَّ بالالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم، الموقعةِ بين الجانبين بخصوص الهجرة غير النظامية، فضلاً عن عدم إيفاء الجانب الأوروبي بمخرجات القمة المنعقدة بإيطاليا، للبحث في معالجةٍ جماعيةٍ لجذور هذه المشكلة، بما يراعي مصالح كافة الأطراف ذات العلاقة ويُجنِّب تحميل تونس وحدها تبعاتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

تونس ترى أن الحلول التي يقدمها الاتحاد الأوروبي إسعافيةٌ مؤقتة لا ترقى إلى مستوى الأزمة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها، وأنها محاولةُ ابتزازٍ تسعى من خلالها دول الاتحاد الأوروبي لاستغلال الأزمة الاقتصادية لتحويل تونس إلى شرطي مرورٍ يُنظِّم رحلات المهاجرين منها إلى أوروبا.

إضافةً إلى ذلك فإن الاتحاد الأوروبي يتعامل بحسب مراقبين بمنطق التعالي والوصاية على تونس، إلى جانب سعيه لتوظيف ورقة المساعدات للمساومة، بربطها بوجوب البقاء في منظومة اقتصاد السوق من خلال الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، مع تكرار تدخله في الشؤون الداخلية التونسية بخصوص أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان.

محللون أشاروا إلى استياء الحكومة التونسية من أسلوب التعاطي الأوروبي مع تونس، والذي لا يتقيد بمقتضيات الاحترام المتبادل والقواعد المتعارف عليها في العلاقات الدولية، إضافةً إلى غياب الحلول الجذرية لمشكلة المهاجرين في المنبع.

وأمام الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها، والشروط الأوروبية لتقديم مساعداتٍ مقابل فرض شروطٍ وسياساتٍ داخلية وخارجية، بدأت تونس تلوِّح بتنويع شراكاتها والبحث عن سُبُلٍ للشراكة مع بعض القوى الاقتصادية الأخرى، وعلى رأسها تكتل “بريكس” والصين وروسيا، التي أصبحت تُمثل تهديدًا لدول الاتحاد حتى خارج الجغرافيا الأوروبية.

منظماتٌ حقوقية تونسية شككت في نوايا الاتحاد الأوروبي موضحةً أن الزيارات المتكررة للمسؤولين الأوروبيين إلى تونس وتصريحاتهم، هي جزءٌ من مسارٍ قديمٍ مُتجدد لـ”ابتزاز تونس وانتهاز الهشاشة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية؛ بهدف جعل البلاد رهينةَ سياساتِ التبعية”، معتبرةً في الوقت نفسه أن أوروبا “لا تنظر إلى تونس كدولةٍ تحتاج إلى تعاون، بل فقط يعدّونها نقطةً حدوديةً متقدمة تحتاج إلى مزيدٍ من التجهيزات لاحتواء الهجرة، والهدف: لا ينبغي لأحد الوصول إلى أوروبا ولو كان مصيره الموت”.

ومع غياب الإرادة الحقيقية في معالجةٍ جذريةٍ لقضية اللاجئين الأفارقة في موطنها، تتفاقم يوماً بعد آخر معاناتهم الإنسانية في تونس، بعد تصاعد عمليات الترحيل القسري لهم إلى الحدود مع ليبيا والجزائر، رغم تنديد المنظمات الدولية.

قد يعجبك ايضا