تأجيل الانتخابات البرلمانية العراقية المبكرة.. أسباب فنية أم دوافع سياسية؟

معضلة الانتخابات المبكرة في العراق باتت تشكل هاجساً لدى العراقيين، فبعد جدل حول إمكانية إجرائها في موعدها المحدد منتصف العام الحالي، أعلنت الحكومة العراقية إرجاءها لنحو أربعة أشهر، ما شكّل سجالاً لا يهدأ في الشارع العراقي المنتفض، حيث رأى فيه البعض تدعيماً لموقف الكتل النيابية المؤيدة للتأجيل.

قرار الحكومة بتأجيل الانتخابات المبكرة إلى العاشر من أكتوبر المقبل، أثار ردود فعل متباينة سواء على مستوى الشارع العراقي أو الطبقة السياسية، خاصة بعد تعهدات عدة أطلقها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بالتمسك بالموعد السابق المقرر مطلع حزيران يونيو ألفين وواحد وعشرين.

ولعل أبرز الاعتراضات على قرار التأجيل جاء من الشارع المحتج، الذي رأى فيه بأنه تراجع للكاظمي عن وعوده التي أطلقها لهم بإجراء انتخابات مبكرة، والذي تشكلت حكومته وفقاً لمطالب المتظاهرين.

فالمشهد السياسي في العراق بات يتسم بالضبابية منذ استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، تحت ضغط المظاهرات الشعبية التي انطلقت شرارتها في جنوبي البلاد، مطلع أكتوبر تشرين الأول عام ألفين وتسعة عشر، ومجيء حكومة الكاظمي التي جعلت الانتخابات المبكرة على رأس أولوياتها.

إعلان الحكومة إرجاء موعد الانتخابات جاء تماشياً مع اقتراح المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بتأجيلها، وذلك لأسباب قالت إنها تتعلق بمشاكل تقنية وفنية، تتمثل بقلة عدد التحالفات والأحزاب السياسية المسجلة لديها، كذلك لإفساح المجال لدور الرقابة الدولية في تأمين نزاهة الانتخابات وتوسيع التسجيل البايومتري للناخبين، وأسباب أخرى تتعلق بقانون المحكمة الاتحادية الذي لم يصوّت عليه البرلمان بعد.

أما على المستوى السياسي، فإن قرار التأجيل جاء منسجماً مع رغبة الكتل والأحزاب التقليدية، التي تهيمن على مقاعد البرلمان رغم معارضتها له في العلن، كما أنه جاء في مصلحة القوى والأحزاب الجديدة، سواء تلك التي خرج بعضها من رحم القوى والأحزاب التقليدية أو تلك التي خرجت من رحم انتفاضة أكتوبر ألفين وتسعة عشر.

تأجيل الانتخابات كان حدثاً مُتوقّعاً، فالكثير من القوى السياسية والمختلفة في اتجاهاتها تخشى خسارة معظم مقاعدها البرلمانية، وتكمن رغبتها في التأجيل لترميم وضعها السياسي الهش قبل الانتخابات.

وبالرغم من تمسك الكاظمي بالموعد الذي حدده سابقاً لإجراء الانتخابات المبكرة، إلا أنه لم يخفِ رغبته في تأجيل هذه الانتخابات إلى أكتوبر، كونه لم يستكمل مشروع حكومته بفرض هيبة الدولة وضبط السلاح المنفلت، وإجراء الانتخابات في أجواء آمنة بعيداً عن سلطة الفصائل المسلحة.

فالعراق لا يزال يعاني من إشكالية سطوة الفصائل المسلحة الموالية لإيران وسلاحها المنفلت، ووقوفها في وجه الحراك الشعبي وطموحه ببلورة مشروع سياسي يمثل الجماهير المنتفضة في الانتخابات المقبلة.

الانتخابات القادمة رغم أنها تُعدُّ الأكثرَ غموضاً في إمكانية استقراء نتائجها، لأنها تأتي مخالفة لجميع الدورات الانتخابية السابقة، لكنها ستكون نقطة فاصلة في تطور الحياة السياسية في العراق، فهي تُعتبَرُ الوسيلة الوحيدة لإنضاج تجربة التحول الديمقراطي في البلاد، وبهذا يعيش العراق حالة مخاضٍ عسيرٍ، والأشهر القادمة قد تكون حبلى بالمفاجآت.

قد يعجبك ايضا